Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عبد الواحد بلقصري: ثورة الملك والشعب محطة مؤسسة للهوية الوطنية المغربية

سيدي سليمان / سعيد بندردكة

قدم الباحث عبد الواحد بلقصري مداخلة علمية بعنوان «ثورة الملك والشعب وبناء الهوية الوطنية المغربية»، خلال الندوة العلمية التي نظمها فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسيدي سليمان، بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي لإقليم سيدي سليمان، وبشراكة مع عمالة الإقليم، يوم الخميس 20 غشت 2026 بالمركز الثقافي بسيدي سليمان، تحت شعار: «ثورة الملك والشعب حلقة وصل بين الماضي التليد والمستقبل الواعد».

واعتبر القصري أن هذا اللقاء العلمي يشكل، في حد ذاته، جزءا من عملية بناء الذاكرة التاريخية الوطنية، مؤكدا أن المجتمعات السليمة هي التي تتيح للتاريخ أن يكتب بهدوء وللذاكرة أن تعاش بكرامة، بعيدا عن اختزال الماضي في العاطفة أو توظيفه خارج سياقه.

وأوضح أن الذاكرة التاريخية ليست مجرد استدعاء سلبي لأحداث الماضي، وإنما هي عملية اجتماعية وسوسيولوجية نشطة، تقوم من خلالها الجماعة بانتقاء الأحداث المفصلية وتأويلها وإعادة إنتاج دلالاتها، بما يساعدها على فهم حاضرها وبناء تطلعاتها المستقبلية.

وفي هذا السياق، استحضر القصري أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس حول الذاكرة الجماعية، مبرزا أن الماضي لا يعيش منفصلا عن الحاضر، وإنما يعاد فهمه وقراءته من خلال حاجات المجتمع وأسئلته الراهنة.

وأكد أن الذاكرة الوطنية تؤدي وظيفة أساسية في حماية الهوية وتعزيز التماسك الداخلي، معتبرا أن المؤسسات التعليمية والمتاحف والنصب التذكارية والمناسبات الوطنية تشكل آليات أساسية لنقل الذاكرة عبر الأجيال وترسيخ الوعي بالتاريخ الوطني.

وأشار إلى أن الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءا من بوصلتها، بينما تشكل الذاكرة الحية رصيدا فكريا وروحيا يساعد المجتمعات على مواجهة الأزمات واستلهام قيم الصمود من تجارب الأجيال السابقة.

ثورة الملك والشعب .. أكثر من محطة تاريخية

وفي قراءته لثورة الملك والشعب، شدد القصري على أنها لا تمثل مجرد مناسبة لاستحضار الماضي أو الترحم على الشهداء، وإنما هي تجربة نضالية مركبة وفريدة في تاريخ التحرر الوطني المغربي، ساهمت في ترسيخ الوعي السياسي والوطني وبناء مقومات الهوية المغربية الحديثة.

وتوقف عند السياق التاريخي الذي سبق أحداث 20 غشت 1953، مبرزا أن المقاومة المغربية مرت بمراحل متعددة، انتقلت خلالها من المقاومة المسلحة في عدد من المناطق إلى العمل السياسي والتنظيمي، وصولا إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944.

كما استحضر خطاب طنجة لسنة 1947، باعتباره إحدى المحطات السياسية البارزة التي أكدت تشبث المغرب بوحدته واستقلاله، قبل أن تتطور المواجهة بين الحركة الوطنية وسلطات الحماية إلى أزمة انتهت بنفي السلطان محمد الخامس وأسرته في 20 غشت 1953.

ويرى القصري أن نفي السلطان الشرعي شكل الشرارة التي أطلقت مرحلة جديدة من المقاومة، وحول القضية الوطنية إلى معركة مجتمعية واسعة، تجسدت فيها العلاقة التاريخية بين العرش والشعب.

العرش والشعب .. تلاحم في مواجهة الاستعمار

وأكد الباحث أن ثورة الملك والشعب جسدت تلاحما قويا بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، مبرزا أن شرعية المؤسسة الملكية في الوعي التاريخي المغربي ارتبطت بمفهوم البيعة وباستمرارية الدولة المغربية.

وأضاف أن نفي السلطان محمد الخامس لم يؤد إلى إخماد المقاومة، بل ساهم في اتساعها، حيث ظهرت عمليات الفداء والمقاومة في المدن، وتأسست جبهة المقاومة وجيش التحرير، وانخرطت فئات واسعة من المجتمع في النضال من أجل عودة السلطان الشرعي وتحقيق الاستقلال.

واعتبر القصري أن هذه المرحلة أظهرت أن قضية التحرر لم تعد مقتصرة على النخب السياسية، بل أصبحت قضية وطنية جامعة، شاركت فيها مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها العلماء والعمال والتجار والفلاحون والنساء والشباب.

الثورة وصناعة الوعي الوطني

وفي معرض حديثه عن دور المقاومة في بناء الوعي الوطني، أكد القصري أن المرحلة التي أعقبت 20 غشت 1953 ساهمت في صهر التنوعات الاجتماعية والمجالية داخل وعي وطني مشترك.

وأشار إلى أن الأحياء الشعبية وشبكات التضامن الاجتماعي شكلت بيئة حاضنة للمقاومة، كما ساهم المواطنون في دعم أسر المعتقلين والشهداء والفدائيين، بما عزز قيم التضامن والمسؤولية الوطنية.

وأكد أن المقاومة المسلحة لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل عكست، في جانب كبير منها، تطور الوعي السياسي والوطني لدى مختلف شرائح المجتمع المغربي.

الهوية المغربية .. تعدد روافد ووحدة جامعة

وتناول القصري الهوية المغربية باعتبارها نتاجا لتراكم تاريخي طويل، تفاعلت خلاله مكونات وروافد متعددة، من الأمازيغ والعرب والمسلمين واليهود المغاربة، إلى جانب التأثيرات الأندلسية والصحراوية والإفريقية.

وأوضح أن المغرب عرف عبر تاريخه تفاعلا بين هذه المكونات، وأن ثورة الملك والشعب أظهرت قدرة الهوية الوطنية على استيعاب هذا التنوع ضمن إطار وطني جامع.

وأكد أن البعد الروحي والديني شكل أحد عناصر تماسك المجتمع المغربي، مشيرا إلى مكانة الإسلام والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين في التاريخ الديني والسياسي للمغرب.

كما توقف عند الأبعاد الثقافية واللغوية للهوية، مبرزا دور الشعر والخطاب الشفهي والمكتوب والمناشير الوطنية في التعبئة ومقاومة الاستعمار وتعزيز الشعور بالانتماء.

من المقاومة إلى بناء الدولة

ويرى القصري أن ثورة الملك والشعب لم تنته بتحقيق الاستقلال، بل شكلت منطلقاً لمرحلة جديدة تمثلت في بناء الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها.

وأشار إلى أن عودة السلطان محمد الخامس من المنفى سنة 1955 وإعلان انتهاء الحماية شكلا تتويجا لمسار طويل من المقاومة، أعقبه الانتقال إلى مرحلة بناء المؤسسات الوطنية وتطوير الإدارة والتعليم والاقتصاد وتعزيز مقومات الدولة المستقلة.

كما استحضر مسار استكمال الوحدة الترابية، باعتباره امتدادا لروح الدفاع عن السيادة الوطنية، متوقفا عند محطات سيدي إفني والمسيرة الخضراء واسترجاع وادي الذهب، وصولا إلى المرحلة الراهنة.

الذاكرة الوطنية ومسؤولية الأجيال الجديدة

وفي الجزء الأخير من مداخلته، دعا القصري إلى التعامل مع الذاكرة الوطنية باعتبارها رصيدا تربويا وثقافيا للأجيال الجديدة، وليس مجرد مناسبة للاحتفال.

وأكد أن استحضار ثورة الملك والشعب ينبغي أن يساعد الشباب على فهم حجم التضحيات التي قدمها المغاربة من أجل الحرية والاستقلال، وعلى استيعاب قيم التضحية والوحدة والتضامن والدفاع عن الوطن.

وشدد على أن التحدي اليوم يتمثل في تحويل هذه القيم التاريخية إلى ممارسة مواطنة يومية، تجعل من الذاكرة الوطنية مدخلا لبناء المستقبل وليس مجرد استعادة للماضي.

وخلص عبد الواحد القصري إلى أن ثورة الملك والشعب تظل محطة مؤسسة للهوية الوطنية المغربية ورمزا لتلاحم العرش والشعب، مؤكدا أن قوة الذاكرة لا تكمن في استحضار الماضي فقط، وإنما في قدرتها على منح الأجيال الجديدة وعيا بتاريخها وثقة في مستقبل وطنها.

وختم مداخلته بالترحم على شهداء الوطن ورجالات المقاومة والتحرير، مستحضرا رمزية الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، ومؤكدا أن الروح الوطنية التي صنعت ملحمة 20 غشت 1953 تظل جزءا حيا من الذاكرة المغربية ومن الرصيد الذي تستند إليه البلاد في مسيرتها نحو المستقبل.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...