Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تتسرب السلطة من خلف الأبواب المغلقة .. الطالبي العلمي ولقجع ومعركة وزارة لم توزع بعد

في السياسة، ليست كل التسريبات فضائح، وليست كل الفضائح تسريبات.

أحيانا، يكون أخطر ما يمكن أن يحدث لحزب سياسي ليس أن يتسرب كلامه من اجتماع مغلق، وإنما أن يكشف ذلك الكلام، من دون قصد، ما كان الحزب يحاول إخفاءه وراء اللغة الرسمية والبلاغات المصقولة.

وهنا تحديدا تكمن قصة التسجيل المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، خلال اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار يوم الثلاثاء 25 غشت 2026.

فالتسجيل، بحسب ما أوردته عدة منابر، لم يكن مجرد نقاش عابر حول ظاهرة “الترحال السياسي”، بل حمل انتقادات مباشرة لفوزي لقجع، القيادي الجديد في حزب الأصالة والمعاصرة، وربط اسمه بشكل صريح بمستقبل وزارة الاقتصاد والمالية، إلى حد الحديث عن أن لقجع لن يتولى هذه الحقيبة إذا استمر التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا قال الطالبي العلمي عن لقجع؟ بل: من أين استمد الطالبي العلمي كل هذه الثقة في الحديث عن وزارة لم تفتح أبوابها بعد، وحكومة لم تتشكل، وانتخابات لم تجر، ونتائجها لا تزال في علم الناخبين؟

فهل تحولت السياسة المغربية إلى لعبة توزيع حقائب قبل توزيع الأصوات؟ وهل أصبحت بعض القيادات الحزبية تتحدث عن الوزارات وكأنها عقارات داخل ملكية حزبية، لها ملاك وورثة وممنوعون من الاقتراب؟

هذه هي المسألة التي تستحق التوقف، وليس فقط عبارات الغضب التي حملها التسجيل. المفارقة أن الانتخابات لم تبدأ بعد، لكن الحكومة المقبلة بدأت تشكل في الكواليس.

المغرب يتجه إلى استحقاقات تشريعية مقررة في 23 شتنبر 2026، أي أن صناديق الاقتراع لم تقل كلمتها بعد. ومع ذلك، فإن ما خرج من اجتماع المكتب السياسي للأحرار يوحي بأن جزءا من النخبة السياسية بدأ يتعامل مع اليوم الموالي للانتخابات وكأنه معطى محسوم سلفا.

الحديث عن المرتبة الأولى أو الثانية، وعن استمرار نادية فتاح في وزارة الاقتصاد والمالية، وعن عدم وصول فوزي لقجع إلى هذه الحقيبة، كل ذلك يكشف أن الصراع لم يعد فقط حول من سيفوز بأصوات المغاربة، وإنما حول من سيحجز لنفسه موقعا في هندسة الحكومة المقبلة.

والأكثر دلالة أن فوزي لقجع لم يدخل هذا المشهد باعتباره مجرد اسم حزبي جديد. لقد التحق الرجل حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، مع توجه للترشح في دائرة بركان، في خطوة اعتبرت ذات وزن سياسي وانتخابي كبير قبل الانتخابات.

وهنا نفهم لماذا تحول لقجع فجأة من مسؤول حكومي وتقني ذي حضور رياضي واقتصادي إلى عنوان لصراع حزبي مفتوح.

إنه لم يعد مجرد لقجع. لقد أصبح، في الحسابات الانتخابية، احتمالا سياسيا. وهذا بالضبط ما يفسر حجم الانفعال.

لكن المفارقة الأكبر هي أن حزبا يحتج اليوم على الاستقطاب، يواجه ذاكرة سياسية لا تسمح له باللعب دور الضحية كاملة.

بلاغ المكتب السياسي للأحرار كان واضحا في لهجته، إذ عبر عن “قلق شديد”من استمالة وضغوط طالت برلمانيين ومنتخبين وقيادات، واعتبر أن الأمر يمس أخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي السليم.

من حيث المبدأ، لا أحد يمكنه الاعتراض على الدفاع عن استقلالية القرار الحزبي أو رفض الضغط على المنتخبين. لكن السياسة لا تقرأ فقط بما تقوله اليوم، وإنما أيضا بما فعلته بالأمس. وهنا تصبح الذاكرة أكثر إزعاجا من البلاغات.

فالتجمع الوطني للأحرار نفسه بنى خلال السنوات الماضية جزءا مهما من قوته السياسية على استقطاب أسماء ووجوه ومنتخبين من مشارب حزبية مختلفة.

وحين كانت حركة الاستقطاب تصب في اتجاه “الحمامة”، كان يمكن تقديمها باعتبارها انفتاحا سياسيا وتجديدا للنخب.

أما حين بدأت الرياح تهب في الاتجاه المعاكس، أصبحت المسألة فجأة “استمالة”و”ضغوطا” و”مساسا بأخلاقيات العمل السياسي”.

وهذه ليست إدانة للأحرار بقدر ما هي دعوة إلى تطبيق المعيار نفسه على الجميع. السياسة لا تكون أخلاقية عندما تكون في صالحنا فقط.

إذا كان انتقال المنتخب من حزب إلى آخر جريمة سياسية، فهي جريمة سواء ارتدى الفاعل قميص “الأحرار” أو “البام” أو أي لون حزبي آخر.

أما إذا كان “الترحال” مقبولا حين يخدم هذا الحزب ومرفوضا حين يخدم خصمه، فنحن لا نتحدث عن تخليق الحياة السياسية، وإنما عن تخليق النتائج وفقا لمصلحة كل طرف. ثم نصل إلى السؤال الأكثر إحراجا: من أعطى الطالبي العلمي حق توزيع وزارة المالية؟

هذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها الإعلام أكثر من توقفه عند العبارات النارية.

لأن قول إن فوزي لقجع “لن يرى وزارة المالية” لا يمكن قراءته فقط باعتباره موقفا سياسيا من شخص. إنه يكشف تصورا مقلقا لمفهوم السلطة.

فالوزارة ليست ملكا لحزب، والحقيبة الوزارية ليست جائزة تمنحها القيادة الحزبية لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء.

الدستور، والانتخابات، وتركيبة الأغلبية، والسلطة التقديرية لرئيس الحكومة، والاختيارات الملكية في التعيين، كلها عناصر تدخل في صناعة الحكومة.

أما أن يتحدث سياسي، قبل أن تفتح صناديق الاقتراع، وكأن قرار التعيين قد اتخذ وانتهى، فهنا يصبح الكلام أكبر من مجرد “تصريح غاضب”.

إنه يكشف شهية مبكرة للسلطة. وهذه الشهية هي التي تجعل التسريب أكثر أهمية من التسريب نفسه.

محمد شوكي فعل الشيء الصحيح، لكنه لم يجب عن السؤال الأصعب. رئيس التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي سارع إلى التعليق على التسجيل، معبرا عن أسفه لتسريب جزء من نقاشات المكتب السياسي، ومشددا على أن اجتزاء الكلام قد يخرجه من سياقه.

من الطبيعي سياسيا أن يدافع رئيس الحزب عن حرمة الاجتماعات الداخلية. لكن ثمة مفارقة هنا:

إذا كان التسجيل مجتزأ، فأين هو السياق الكامل؟

وإذا كان ما ورد فيه مجرد موقف شخصي للطالبي العلمي، فلماذا لا يقال ذلك بوضوح؟

وإذا كان يعبر عن النقاش الحقيقي داخل المكتب السياسي، فهل يتعلق الأمر بموقف فردي أم بتوجه سياسي؟ ثم، والأهم: هل ينفي الحزب مضمون الكلام، أم فقط يعترض على تسريبه؟

الفارق بين السؤالين شاسع. لأن استنكار التسريب لا يعني بالضرورة استنكار المضمون. وهذا تحديدا ما جعل موقف شوكي، رغم أهميته، لا يغلق الباب بل يفتحه أكثر. التسريب هنا لم يهدم الرواية الرسمية، بل كشف ما تحتها.

البلاغ الرسمي تحدث عن صراع مع “الاستمالات” و”الضغوط” التي يتعرض لها منتسبو الحزب. والتسجيل المتداول تحدث عن لقجع، وعن استقطاب المنتخبين، وعن وزارة المالية، وعن الحكومة المقبلة. أي أن الفارق بين الوثيقتين ليس في الجوهر. البلاغ هو اللغة الدبلوماسية. والتسجيل هو اللغة السياسية حين تسقط عنها ربطة العنق. وهذا ما يجعل الواقعة شديدة الدلالة.

فالسياسيون عادة يكتبون البلاغات لكي يقرأها الجمهور، ويتحدثون في الاجتماعات المغلقة لكي يسمع بعضهم بعضا. لكن عندما يصل الكلام المغلق إلى الجمهور، تصبح السياسة عارية من المكياج. والمغاربة هنا لم يسمعوا فقط خلافا بين “الأحرار” و”البام”. لقد سمعوا شيئا آخر:

سمعوا انتخابات لم تبدأ بعد، وهي تتصارع داخل كواليس الحكومة المقبلة. لقجع ليس المشكلة، المشكلة هي ما يمثله لقجع. قد يكون الخلاف حول فوزي لقجع شخصيا. وقد يكون حول انتقاله إلى الأصالة والمعاصرة. وقد يكون حول طريقته في العمل السياسي. وقد يكون حول استقطاب برلمانيين ومنتخبين. لكن الأرجح أن المسألة أعمق من ذلك. فلقجع أصبح، منذ التحاقه بـ”البام”، قطعة سياسية ثقيلة في رقعة انتخابية شديدة الحساسية. والرجل يجمع بين موقع حكومي في مجال المالية، ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وحضور عام تجاوز منذ سنوات المجال الرياضي إلى دوائر الاقتصاد والسياسة. لذلك فإن دخوله إلى المنافسة الانتخابية لا يمكن أن يقرأ كحالة عادية. إنه يغير بعض الحسابات. وهنا، ربما، لا يخاف السياسيون من لقجع كشخص، بقدر ما يخافون من الوزن الذي يمكن أن يحمله معه إلى صناديق الاقتراع. ولهذا تصبح العبارة “وزارة المالية والله لا شافها” أكثر من مجرد نكاية سياسية. إنها، في القراءة الأعمق، تعبير عن محاولة مبكرة لرسم حدود الممكن والممنوع في الحكومة المقبلة.

لكن المشكلة أن من يرسم هذه الحدود اليوم لا يملك أصلا مفاتيحها كاملة. من يقرر الحكومة المقبلة؟ ليست المكاتب السياسية وحدها. وليست الطالبي العلمي. وليست لقجع. وليست حتى الرغبات الانتخابية المسبقة.

هناك ناخب سيذهب إلى الصندوق، وهناك نتائج ستخرج من الصندوق، وهناك دستور، وهناك مؤسسات، وهناك موازين سياسية ستتحدد بعد الانتخابات.

ولهذا فإن أخطر ما في الواقعة ليس أن الطالبي العلمي هاجم لقجع. فالسياسة تقوم على الاختلاف.

وليس عيبا أن يرفض سياسي تولي خصم حقيبة وزارية. العيب يبدأ عندما يتحول الرفض السياسي إلى لغة امتلاك للقرار قبل امتلاك الشرعية اللازمة لاتخاذه. وهنا يصبح التسجيل مرآة لا فضيحة، قد تكون هناك مشكلة في تسريب اجتماع مغلق. وهذه مشكلة أخلاقية وتنظيمية حقيقية.

لكن لا ينبغي أن يسمح الحديث عن “حرمة الاجتماع” بتحويل النقاش كله عن مضمون ما قيل. لأن التسريب، في النهاية، ليس هو الذي اخترع الكلام. التسريب فقط أخرجه من الغرفة. والكلام، إن كان صحيحا، كان موجودا قبل أن يصل إلى الهواتف. وهنا تحديدا تكمن المفارقة الكبرى:

الحزب قد ينجح في معرفة من سرب التسجيل، لكنه لن يستطيع بسهولة معرفة كيف سيقرأه الرأي العام.

فالمواطن الذي يسمع سياسيا يتحدث عن وزارة لم توزع، وعن حكومة لم تتشكل، وعن انتخابات لم تحسم، قد لا يسأل فقط: “من سرب التسجيل؟” بل قد يسأل السؤال الأكثر قسوة:

“وماذا كانوا يخططون لنا قبل أن نصوت؟” وهذا السؤال أخطر بكثير من التسجيل.

المشهد الانتخابي المغربي يدخل مرحلة ما قبل النتائج. ما وقع بين الأحرار والبام ليس حادثة معزولة. إنه مؤشر على أن الانتخابات التشريعية المقبلة بدأت فعليا قبل موعدها القانوني. المنافسة لم تعد فقط على البرامج. بل على المرشحين، والمنتخبين، والرموز، والدوائر، والصورة الإعلامية، ثم على مواقع ما بعد الانتخابات.

وهذا يفسر انتقال الصراع من مستوى الخطاب العمومي إلى مستوى الكواليس. بل إن أحد أعضاء المكتب السياسي للأحرار كان قد صرح قبل أيام بأن الحزب لا يتحرك بمنطق “الأمتار الأخيرة”، وأن ممارسته السياسية تقوم على القرب والاستمرارية والبرامج والنتائج، بعيدا عن التحركات الظرفية التي تفرضها المواعيد الانتخابية. لكن ما حدث في اجتماع 25 غشت يطرح سؤالا مشروعا:

إذا كانت المعركة ليست معركة “الأمتار الأخيرة”، فلماذا تبدو بعض الحسابات وكأنها وصلت بالفعل إلى آخر متر من تشكيل الحكومة؟

وهنا لا يحتاج المواطن إلى تسجيل مسرب كي يفهم أن شيئا ما يتحرك في العمق. لقد بدأت الانتخابات، ولكن قبل أن تبدأ الانتخابات. والأخطر أن بعض السياسيين بدأوا يتحدثون عن الحكومة المقبلة قبل أن يتحدثوا بما يكفي عن المواطن الذي سيقرر من يدخلها. وهذا هو بيت القصيد.

في النهاية، ليست القضية هل سيصبح فوزي لقجع وزيرا للاقتصاد والمالية أم لا. وليست القضية هل ستستمر نادية فتاح في منصبها أم لا. وليست القضية حتى من سيقود الحكومة المقبلة.

القضية أن الوزارة ليست ملكا سياسيا، والانتخابات ليست بروفة مغلقة، والناخب ليس مجرد رقم مطلوب استحضاره في يوم الاقتراع ثم نسيانه في اليوم الموالي.

أما أن تبدأ معركة توزيع الحقائب قبل توزيع الأصوات، فذلك ليس انتصارا للسياسة. إنه، ببساطة، أحد أكثر أعراضها إثارة للقلق.

والتسجيل الذي أراد له أصحابه، ربما، أن يكون فضيحة لشخص، قد يكون تحول إلى شيء أخطر:

لقد كشف أن معركة 23 شتنبر ليست فقط معركة صناديق، بل معركة على من يملك حق رسم خريطة اليوم الذي يلي الصناديق. وهنا تحديدا، لا ينبغي للإعلام أن يكتفي بسؤال: من سرب؟ بل عليه أن يسأل السؤال الذي يخشاه الجميع:

من كان يتحدث باسم من؟ ومن كان يوزع ماذا، وعلى من، قبل أن يقول الناخب كلمته؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...