مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
القلب يتغير وقلب القلب لا يتغير والحزن قلب القلب ” النفري”
أيها الكرام..
سأعترف أني صاحبت هذا الديوان مسيرة عام. أقلبه، وأغوص، وأعيد، وأنتظر انفجار الحزن في شعره وفي لغته وفي بنياته الداخلية وعلاقاته.. وما أزال أنتظر. وأنا الموقن أن الحزن يتفجّر ولا ينفجر، ويدوم ولا ينقطع، ويمتدّ لأنه “صُحبةُ الصفاء”. فالنبي يعقوب، حين حزن التصق أكثر بربه وابتعد عن الباقي، “وتولّى عنهم” فقال: ” إنما أشكو بثي وحزني إلى الله”؛ بل إن الشيخ الأكبر ابن عربي عدّ الحزين ” هو العارف، هو الوارث، هو سرُّ الله في أرضه”.
ويعقوب النبي -ايها الكرام- “ابيضّت عيناه من الحزن”، والبياض ليس هو العمى، فما قال الله عنه أنه لا يبصر، بل قال “فهو كظيم”، وليس كقوله عن الذين ” ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون”.
لذلك، فالحزن طريق العارف إلى البياض ” وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله”، والبياض معبرٌ واسع إلى الحق، وإلى القُرب، وإلى التجلي، لذلك كان عبد الغني النابلسي يقول: ” من أحبّه الله جعل في قلبه نائحة”، مثلما كان يقول أهل الصفاء: “إن ما يقطعه الحزين في شهر، يقطعه غير الحزين في سنة”.
وإذ نحن اليوم في ضيافة نص يحتفي بالحزن، فإننا بالموازاة سندخل باب العارفين الذي اختاره لنا الشاعر لنتأمل -عبر الديوان- أسئلة كثيرة في العلاقات وفي الفكر والانتماء…، وسنجد في الديوان ما سنجده في مسيرة عام من أسئلة الوجود.. فطوبى للداخلين!
أيها الكرام، ثمة باب للحب، وباب لاتصال الوجود ببعضه، وباب للفرح؛ فأيُّها نختار؟.. لكل منا أن يلج الباب الذي يشاء داخل الديوان. وحتما ستفضي بنا المعابر كلها إلى مساحة للتصوف وتأمل العالم بالعين الثالثة. وسنجتمع هناك.
الذين سيلجون باب الحب، سيخترقهم حرف أنيق شفاف، ودفقات عشق غامرة، بحيث سينفصلون عن كل شيء، ولا يقيسون المسافات ودقات الساعة إلا بنبضات قلوبهم، ولا شيء يحدهم غير تخوم الغرام نفسه. يقول الشاعر:
“كيف أحبكَ؟
وأنت القلب والحب!
وكيف أصِلُكَ؟
وأنت الطريق والمسير!
وكيف الوصال؟
وأنا الطليق الأسير!” (ص57).
وللّذين سيختارون باب اتصال الوجود، فثمة اتصال إنساني عالٍ وأنيق في محاورات شعرية وأخوية ليست نقائض كما عند جرير والأخطل، ولكنها ما يشبه قصائد بقلبين من جهة، وقصائد ورسائل ونصوص لشعراء وأصدقاء آخرين من جهة ثانية ضمّ الديوان نصوصهم جميعا بين دفّتين.
وثمة أيضا اتصال الخطاب السردي بالنصوص الشعرية، تماما كمقدمات الأصبهاني للقصائد، حكايات ترسم الاطار الفني أو المناسباتي وتعد القارئ للتلقي ضمن شروط محدّدة. هذا فضلا عن الانخراط في الهم الانساني العام، وأعطاب العالم من مداخل صغيرة جدا مثل عيد ميلاد ابنة الشاعر الذي سيصير بقعة ضوء للإطلال على الصراعات والعنف واختلالات الانسان في العالم، فكأنما يصر الشاعر على الاطلال على العالم كله من ثقب الباب. إذ في نص التهنئة بعيد الميلاد سنجد هذا ال..
“العالم المصلوب
في الرعب العنيد…
يا سيدنا الجديد، يا سيد العالم
يا بن العم سام…
هذي سياطك جلها في ظهر بغداد
تقطع في الصلات وفي اللحم
وبأرض درفور الحزينة
قد زرعت الحقد يحصده الوهم…
وبأحشاء فلسطين الزكية قد غُمِس
حدُّه اخترق الحجاز
ونصله في خصر مصر
يا عارهم
حرب بلا مجدٍ، وقتل دون نصر.”
فكأنما العالم كله في الديوان كتلة مشاعر متصلة ببعضها في الفرح والحزن، وكأنما الوجود كله بقعة تَصِل -أيها القارئ- مركزها من أي الأقطاب سلكتَ.
فيما سيجد الذين سيدخلون باب الفرح ما يدهشهم، فكل الحزن المعلن في الديوان يستضمر فرحا كثيرا، وكل النصوص التي ينفجر منها الحزن يسكنها فرح داخلي تتشبث به الحروف، فكأنما الحزن والفرح معا رفيقان ليسا متواليان، بل متصلان في تصادٍ ومُعادلٍ دلاليٍّ للآية ” إن مع العسر يسرا”: (“مع” وليس “بعد”).
وسنجد مواطن الفرح في الردود الأخوية بالقصائد، والتواصل، والأواصر.. وفي عبارات الألقاب مثل : “الأخ السفير الأديب…” وفي التشبث بتوثيق أحداث بعينها كعيد الميلاد، وكتابة نص معين والرد عليه، وذكرى الأم وصباحاتها، والإبنة، ورسالة صديق، وعشاء مع رفقةٍ صدِيقة.. وغير ذلك.
وحتما، أيها الكرام.. فإن الداخلين من أي باب من الأبواب الثلاثة سيلتقون جميعا في ضيافة هذا الديوان داخل احتفاء واشتغال جميل للشاعر بلغة رقيقة، وسلسة، وقريبة ، وإصرار على منح النصوص إيقاعا عروضيا في الغالب، وداخليا في النادر؛ وتأثيث موضوعات الديوان بحيث يصير الذاتي والمناسباتي والخاص جدا بوابةً للعالمي والهمّ الجمعي، فيما يشبه تلك البوابة التي تسميها هاديا السعيد “الإشراق” الواجبَ في النص الأدبي، حيث ندخل من أبواب خاصة جدا وضيقة جدا وتقذفنا النصوص في خواتمها لمعانقة الأفق الفسيح في الفكر والتأمل والأسئلة الكبرى.
أيها الكرام.. هذه دعوتي لكم للدخول، فطوبى للداخلين..
وأعانقكم واحدا واحدا.
