Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

بلد بسرعة ملك .. وأحزاب بسرعة انتخابية بطيئة

حين يصبح شراء الصوت عنوانا لأزمة السياسة والمواطنة

كتب ابن خلدون في مقدمته عبارته الشهيرة: “الظلم مؤذن بخراب العمران”. ولم يكن يتحدث عن الظلم باعتباره مجرد اعتداء فردي على حق، وإنما عن اختلال يصيب العلاقة بين السلطة والمجتمع، فيبدأ أثره بالتسلل إلى بنية العمران نفسه.

ولعل الانتخابات، في أي مجتمع، هي واحدة من أكثر اللحظات التي تكشف درجة سلامة هذه العلاقة.

فحين يصبح الصوت الانتخابي قابلا للبيع والشراء، وحين يتحول المواطن من صاحب حق إلى صاحب “سعر”، وحين يصبح المال أقصر طريق إلى صندوق الاقتراع، فإن الخلل لا يعود مجرد مخالفة انتخابية؛ بل يتحول إلى عرض من أعراض أزمة سياسية وأخلاقية أعمق.

مئتا درهم قد تبدو مبلغا بسيطا في لحظة انتخابية، لكنها تصبح باهظة الكلفة عندما تتحول إلى تفويض سياسي لمن لا يمتلك مشروعا ولا كفاءة ولا رؤية. هنا لا يعود السؤال: كم دفع المرشح؟ بل يصبح السؤال الأخطر: كم كلفنا ذلك الصوت خلال خمس سنوات؟

فالطريق الذي لم ينجز، والمدرسة التي لم تتحسن، والمستوصف الذي لم يستجب لحاجات المواطنين، والإدارة التي ظلت أسيرة البطء، كلها قد تكون جزءا من فاتورة سياسية طويلة تبدأ أحيانا بورقة مالية صغيرة تنزلق من يد إلى يد.

والمفارقة أن المواطن قد يقايض صوته اليوم بمبلغ محدود، ثم يقضي غدا سنوات كاملة في الاحتجاج على نتائج الاختيار الذي ساهم فيه.

لكن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذا الانحراف سيكون ظلما آخر للحقيقة.

فالسياسة لا تختزل في أخلاق الناخب، كما أن فساد العملية الانتخابية لا يبدأ يوم الاقتراع فقط. هناك مسؤولية تقع على الأحزاب التي يفترض أن تجعل من الانتخابات منافسة بين البرامج والكفاءات، لا بين قدرات المرشحين على الإنفاق والتعبئة واستمالة الأصوات.

وقد كان أرسطو يرى أن الإنسان كائن سياسي، لأن وجوده داخل المجتمع لا ينفصل عن مشاركته في تنظيم شؤونه العامة. وإذا كان هذا المعنى قديما قدم الفلسفة السياسية نفسها، فإن السؤال المعاصر يصبح أكثر إلحاحا: ماذا يحدث عندما يفقد المواطن ثقته في السياسة، وحين تفقد الأحزاب قدرتها على إقناعه بأن صوته يمكن أن يصنع فارقا؟ هنا تبدأ الأزمة الحقيقية حيث  السياسة فقدت قدرتها على الإقناع.

الأحزاب السياسية ليست آلات انتخابية مهمتها الوصول إلى البرلمان أو تدبير الحكومات. إنها، في الديمقراطيات الحديثة، مدارس لإنتاج النخب، ومؤسسات للوساطة بين الدولة والمجتمع، وفضاءات لإنتاج الأفكار والبرامج.

لكن جزءا من الممارسة الحزبية يبدو، في كثير من الأحيان، وقد اختزل السياسة في موسم انتخابي.

تظهر الوجوه قبل الانتخابات، وتختفي بعد إعلان النتائج؛ تتكاثر الوعود، ثم تتقلص المتابعة؛ وتعلو لغة الشعارات، بينما تتراجع لغة البرامج القابلة للقياس. وهنا نستحضر ما كتبه ألكسيس دو توكفيل عن الديمقراطية الأمريكية، حين ربط قوة النظام الديمقراطي بوجود مجتمع مدني ومؤسسات وسيطة قادرة على تنظيم المشاركة السياسية. فالانتخابات وحدها لا تصنع ديمقراطية حية؛ الذي يصنعها هو ذلك النسيج المؤسساتي الذي يجعل المواطن شريكا مستمرا، لا ناخبا موسميا.

والمغرب اليوم يحتاج إلى هذا النوع من السياسة أكثر من أي وقت مضى.

لقد اختار القصر، خلال السنوات الماضية، الدفع بعدد من الأوراش الاستراتيجية الكبرى بوتيرة عالية، واضعا الزمن والإنجاز والنتائج في صلب العمل العمومي.

مشاريع كبرى في البنية التحتية، والماء والطاقة، والحماية الاجتماعية، والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، وغيرها من الأوراش التي جعلت الدولة تتحرك بمنطق مختلف عن ذلك الذي اعتاد عليه التدبير العمومي التقليدي. لكن المفارقة تكمن في مكان آخر.

الدولة تتحرك بسرعة، بينما لا تزال أجزاء من المشهد الحزبي تتحرك بمنطق انتخابي بطيء. وهذا هو جوهر مفهوم “السرعتين” الذي حذر منه الملك.

المشكلة ليست أن الأحزاب مطالبة بأن تنافس المؤسسة الملكية في سرعتها؛ فهذا غير منطقي أصلا. وإنما المطلوب أن ترتقي الأحزاب إلى مستوى التحولات التي تعرفها البلاد.

فإذا كانت الدولة تفتح أوراشا كبرى، فإن الأحزاب مطالبة بإنتاج نخب قادرة على مواكبتها. وإذا كانت الدولة تستثمر في البنية التحتية، فعلى السياسة أن تستثمر في الإنسان.

وإذا كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فلا يمكن أن تظل بعض الأحزاب حبيسة قاموس انتخابي يعود إلى عقود مضت.

قال مونتسكيو: “لكي لا يساء استعمال السلطة، يجب أن يرتب الأمر بحيث توقف السلطة السلطة.”

وهذه الفكرة تكتسب راهنيتها حين نتحدث عن المؤسسات المنتخبة: البرلمان والجماعات والمجالس ليست مجرد فضاءات للتصويت، وإنما أدوات للرقابة والمساءلة وصناعة القرار.

وحين تضعف جودة النخب المنتخبة، تضعف معها قدرة المؤسسات على القيام بوظيفتها.

المسألة الأخلاقية هنا لا يمكن تجاهلها. من يشتري صوت المواطن يرتكب انحرافا خطيرا لأنه يحاول تحويل حق سياسي إلى سلعة. لكن المواطن الذي يقبل البيع يحتاج أيضا إلى أن يسأل نفسه: ماذا أبيع بالضبط؟ إنه لا يبيع مجرد ورقة. إنه يمنح شخصا آخر حق تمثيله، والتحدث باسمه، والتصويت على القوانين، والتأثير في السياسات العمومية، وتحديد الأولويات التي ستؤثر في حياته وحياة أبنائه.

ومن هنا يصبح ثمن الصوت الحقيقي أكبر بكثير من مئتي درهم. إنه خمس سنوات من الحياة العامة. وقد يكون ذلك هو المعنى الأكثر عمقا لعبارة روسو الشهيرة: “يفقد الشعب حريته لحظة يعتقد أنه حر”، بمعنى أن الحرية السياسية ليست مجرد امتلاك الحق، وإنما القدرة على استعماله.

لهذا، فإن الانتخابات المقبلة يجب ألا تكون مجرد محطة لتغيير أسماء بأسماء، أو أحزاب بأحزاب، أو وجوه بوجوه. ينبغي أن تكون لحظة لإعادة طرح السؤال حول نوع السياسة التي نريدها. هل نريد أحزابا تنتظر الانتخابات؟ أم أحزابا تصنع السياسة قبل الانتخابات وبعدها؟

هل نريد نائبا ينجح لأنه يمتلك المال والشبكة الانتخابية؟ أم نائبا ينجح لأنه يمتلك القدرة على التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح المواطنين؟

هل نريد مواطنا يدخل مركز التصويت وهو يسأل: “ماذا سأحصل؟” أم مواطنا يسأل: “ماذا سيحدث لبلادي إذا اخترت هذا الشخص؟”

ذلك هو الفارق بين الديمقراطية باعتبارها إجراء انتخابيا والديمقراطية باعتبارها ثقافة سياسية.

وفي هذا السياق، فإن خطاب “السرعتين” ينبغي ألا يقرأ فقط باعتباره نقدا لبطء الإدارة أو تعثر بعض المشاريع؛ إنه يمكن أن يكون أيضا دعوة أوسع إلى توحيد سرعة الدولة وسرعة المؤسسات والنخب والأحزاب.

فلا يمكن أن تسير البنية التحتية بسرعة القرن الحادي والعشرين، بينما تسير بعض العقليات السياسية بمنطق القرن الماضي.

ولا يمكن أن تدخل البلاد مرحلة جديدة من التحولات الكبرى، بينما يظل جزء من الحقل الحزبي أسير الحسابات الصغيرة.

المغرب لا يحتاج فقط إلى انتخابات نزيهة؛ إنه يحتاج إلى سياسة ذات معنى. ولا يحتاج فقط إلى منع شراء الأصوات؛ بل إلى بناء شروط تجعل المواطن لا يفكر أصلا في بيع صوته. ولا يحتاج فقط إلى أحزاب تفوز بالانتخابات؛ بل إلى أحزاب تعرف ماذا ستفعل بعد الفوز.

فالمعركة الحقيقية ليست بين مرشح ومرشح، ولا بين حزب وحزب. إنها معركة بين زمنين سياسيين: زمن دولة تريد أن تتحرك بسرعة نحو المستقبل، وزمن حزبي لا يزال، في بعض تجلياته، يجر خلفه أثقال الماضي.

والسؤال الذي سيظل مطروحا ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل:

هل ستنجح الانتخابات هذه المرة في إنتاج سياسة تليق بسرعة المغرب الذي يتغير؟

فالأوطان لا تتقدم بسرعة مشاريعها فقط، وإنما بسرعة مؤسساتها ونخبها ووعي مواطنيها أيضا.

وإذا كان المطلوب اليوم هو تجاوز “السرعتين”، فإن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب ليس أن تلحق بالملك، وإنما أن تلحق بالمغرب نفسه.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...