Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

المنبر يتكلم قبل السياسي

حين يتكلم السياسي، لا تكفي قراءة كلماته؛ ينبغي أيضا قراءة المنبر الذي اختاره، والتوقيت الذي اختاره، والجمهور الذي أراد الوصول إليه. فبين الإعلام والسلطة مساحة تصنع فيها الشرعية، وتهندس الصورة السياسية، وترسل أحيانا رسائل لا تقولها الكلمات صراحة.

ليست كل الرسائل السياسية موجودة في الكلمات التي يقولها السياسي، بعضها يسكن في المكان الذي اختار أن يقولها منه، وفي الصحفي الذي اختار أن يحاوره، وفي اللحظة التي قرر فيها أن يخرج من صمته. لذلك، فإن أهم ما يستحق التوقف عنده في الحوار الذي أجراه فوزي لقجع مع مجلة «جون أفريك» قد لا يكون بالضرورة ما قاله الرجل، وإنما لماذا اختار أن يقوله هناك بالذات؟

ذلك أن السياسة لا تتحدث فقط عبر المضمون، بل تتحدث أيضا عبر الرموز والقنوات والإشارات. والمنبر الإعلامي ليس صندوقا محايدا تمر عبره الرسائل كما تمر المياه في أنبوب؛ إنه جزء من المعنى، وأحيانا يصبح المعنى نفسه.

من هنا تبدو عبارة مارشال ماكلوهان الشهيرة «الوسيلة هي الرسالة» أكثر من مجرد قاعدة في تاريخ الإعلام. إنها مفتاح لفهم كثير من الخطابات السياسية التي تبدو، في ظاهرها، مجرد تصريحات، بينما تحمل في طريقة إنتاجها ونشرها رسائل أخرى أكثر دلالة من الكلمات نفسها.

فحين يختار مسؤول مغربي بارز أن يجعل أول خروج إعلامي دولي له عبر «جون أفريك»، وحين يكون محاوره صحفيا مثل فرانسوا سودان، فإن الأمر لا يمكن أن يقرأ فقط باعتباره اختيارا تحريريا عاديا. فالمنبر له تاريخه، والصحفي له مساره، والعلاقة بين الإعلام والسياسة في إفريقيا ليست دائما علاقة بريئة أو منفصلة عن دوائر النفوذ.

وفي الحالة المغربية تحديدا، يستحضر اسم فرانسوا سودان، بالنسبة إلى ذاكرة سياسية وإعلامية معينة، مرحلة كان فيها الإعلام الدولي أحد المساحات التي تتقاطع فيها السلطة والمعلومة والنفوذ. كما أن اسم «جون أفريك» ظل، لعقود، حاضرا في فضاء سياسي إفريقي شديد التعقيد، حيث كانت المجلة قريبة من دوائر الحكم والنخب الحاكمة، الأمر الذي جعلها في أحيان كثيرة أكثر من مجرد وسيلة إعلامية تراقب السلطة من الخارج.

وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة المجلة أو الصحفي، ولا بإصدار حكم مسبق على الحوار. الصحافة الجادة لا تشتغل بمنطق النوايا، وإنما بمنطق الأسئلة. والسؤال المشروع ليس: هل «جون أفريك» وسيلة موثوقة أم غير موثوقة؟ بل: ما الدلالة السياسية لاختيارها في هذه اللحظة بالذات؟

إن اختيار المنبر، في السياسة، يشبه اختيار المنصة التي يقف فوقها الخطيب قبل أن يبدأ الكلام. قد يكون الكلام واحدا، لكن موقع إلقائه يغير كثيرا من معانيه.

ولقجع ليس سياسيا عاديا يبحث عن نافذة إعلامية. الرجل يوجد في قلب معادلات سياسية ورياضية واقتصادية متشابكة، وأصبح اسمه خلال السنوات الأخيرة يتجاوز بكثير حدود الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. حضوره السياسي أصبح موضوعا للنقاش، وعلاقاته داخل المشهد الحزبي والمؤسساتي أصبحت جزءا من قراءة التحولات المقبلة، خصوصا في سياق انتخابي تتداخل فيه رهانات الأحزاب مع حسابات الدولة وصراعات النخب.

لذلك، فإن ظهوره عبر منبر دولي لا ينبغي أن يفصل عن السياق الذي يأتي فيه.

فالسياسي حين يتحدث إلى الداخل لا يخاطب الجمهور نفسه الذي يخاطبه حين يتحدث إلى الخارج. وحين يختار مجلة إفريقية ذات انتشار دولي، فإنه لا يرسل رسالة إلى المغاربة فقط، بل يخاطب أيضا دوائر سياسية واقتصادية وإعلامية خارج الحدود. وربما لهذا السبب تصبح «لغة المكان» أهم أحيانا من لغة التصريح.

لقد علمنا التاريخ أن السلطة لا تحتاج دائما إلى أن تقول الأشياء بصورة مباشرة. يكفي أحيانا أن تختار من يتكلم، وأين يتكلم، ولمن يتكلم.

وهذا بالضبط ما يجعل الحوار مع «جون أفريك» جديرا بالقراءة مرتين: مرة بحثا عن التصريحات والمواقف التي أعلنها لقجع، ومرة ثانية بحثا عن الرسالة التي تكمن خلف اختيار الوسيلة نفسها.

إننا أمام ظاهرة أوسع من لقجع. إنها ظاهرة سياسية مغربية تتعلق بكيفية صناعة الصورة خارج الحدود، وكيف تبحث بعض الشخصيات والمؤسسات عن منابر قادرة على منح خطابها وزنا دوليا، خصوصا في اللحظات التي يكون فيها الداخل مشبعا بالأسئلة والانتظارات والصراعات.

وفي هذا المستوى، يصبح الإعلام جزءا من هندسة المجال السياسي، لا مجرد مرآة تعكسه.

وهنا تحديدا ينبغي استحضار درس آخر من تاريخ العلاقة بين الصحافة والسلطة: الإعلام لا يكتفي أحيانا بنقل القوة، بل يستطيع أن يمنحها شرعية رمزية، وأن يصنع لها لغة وصورة وسردية. ولذلك كانت الأنظمة السياسية، في إفريقيا كما في غيرها، شديدة الحساسية تجاه المنابر التي تستطيع أن تقدمها إلى العالم بالطريقة التي تريدها.

المشكلة، إذن، ليست في أن يتحدث لقجع إلى «جون أفريك». من حق أي مسؤول أو سياسي أن يختار المنبر الذي يراه مناسبا. لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسأل عن المعنى السياسي لهذا الاختيار.

ففي السياسة، لا توجد دائما صدفة في اختيار المنابر، كما لا توجد براءة كاملة في اختيار التوقيت.

وربما لهذا السبب فإن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ليس: ماذا قال فوزي لقجع في «جون أفريك»؟

بل: ماذا أراد أن يقول بمجرد أن اختار «جون أفريك» لكي يقول ما قاله؟

بين السؤالين توجد مسافة كبيرة؛ الأولى تخص الخبر، والثانية تخص السياسة.

والصحافة التي تكتفي بالأولى تنقل الكلام، أما الصحافة التي تبحث في الثانية فتحاول أن تفهم ما وراء الكلام.

وهنا بالضبط تصبح عبارة ماكلوهان أكثر راهنية من أي وقت مضى: الوسيلة ليست مجرد حامل للرسالة؛ أحيانا تكون الرسالة الأكثر أهمية.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...