مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
إلى أين يسير التنافس النقابي بين النقابات التعليمية؟
قد يبدو السؤال عاديا في سياق يعرف، بطبيعته، تعدد التنظيمات واختلاف المقاربات واحتدام التنافس، لكنه يصبح مشروعا وضروريا حين نتابع، خلال فترة زمنية قصيرة، حجم النقاش والردود والردود المضادة التي تشهدها بعض الساحات النقابية على المستوى الإقليمي والجهوي، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بالتمثيلية النقابية.
الملاحظ أن الخطاب المتداول بدأ يستعمل، في بعض الأحيان، عبارات من قبيل “التضليل”، و”المعلومات المغلوطة”، و”التدليس”، و”اليقظة”، بل وعبارات أكثر حدة في توصيف الخصوم والمنافسين.
وهنا يحق لنا أن نتساءل بهدوء: هل يخدم هذا النوع من الخطاب العمل النقابي، أم أنه يساهم، من حيث لا نريد، في تعميق حالة التوتر داخل الجسم التعليمي؟
لا أحد يجادل في مشروعية التنافس بين النقابات، بل إن الاختلاف والتعدد والتنافس عناصر طبيعية في الحياة النقابية الديمقراطية. كما أن الدفاع عن المواقف والرد على ما تعتبره التنظيمات مغالطات أو مواقف غير دقيقة حق مشروع.
لكن المشكل يبدأ عندما يتحول التنافس من تنافس في البرامج والمواقف والقدرة على الترافع إلى صراع حول المواقع والتمثيلية والنفوذ.
فالتمثيلية النقابية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتمكين التنظيمات من القيام بأدوارها في الدفاع عن مصالح الشغيلة والمساهمة في تطوير الحوار الاجتماعي والمؤسساتي.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟ بل: ماذا سيفعل من يحصل عليها؟
هذه النقطة تستحق الكثير من التأمل، لأن الاستحقاقات الانتخابية، مهما كانت أهميتها، تظل محطة مؤقتة، بينما قضايا الشغيلة والقطاع مستمرة ومتراكمة، ولا يمكن اختزالها في موسم انتخابي أو في حجم التمثيلية التي تحصل عليها هذه النقابة أو تلك.
والأصل أن يكون التنافس مناسبة لعرض الحصيلة، وتقديم البرامج، وتوضيح المواقف، وإقناع الشغيلة بأن هذا التنظيم أو ذاك يمتلك رؤية أكثر نجاعة وقدرة على الدفاع عن مصالحهم.
أما تحويل الاختلاف إلى معركة دائمة، واستنزاف الجهد في الردود المتبادلة، فقد يجعل النقابات، من حيث لا تقصد، تبتعد عن الأولويات الحقيقية لمن تمثلهم.
فالمدرس والأستاذ والإداري والتقني لا يحتاج فقط إلى بيانات قوية اللهجة، وإنما يحتاج إلى من يتابع ملفاته، ويدافع عن حقوقه، ويقترح الحلول، ويضغط من أجل معالجة الاختلالات التي يعرفها القطاع.
القوة النقابية لا تقاس فقط بحدة الخطاب، وإنما بقدرة التنظيم على تحويل حضوره إلى نتائج ملموسة. كما أن قوة أي قيادة نقابية لا ينبغي أن تكون في غياب النقد، وإنما في قدرتها على الاستماع إليه والتفاعل معه.
المسؤول النقابي، مهما كان موقعه، يظل في نهاية المطاف مسؤولا أمام من يمثلهم، ومن حق الشغيلة أن تسأل، وأن تنتقد، وأن تقارن، وأن تطالب بالحساب السياسي والتنظيمي.
وهذا لا يعني التشكيك في نضالات النقابيين أو التقليل من قيمة العمل الذي يقوم به العديد من المناضلين في مختلف التنظيمات؛ فهناك، بلا شك، من يدفع من وقته وجهده وراحته ثمنا للعمل النقابي، ويؤدي مهامه بإخلاص ونكران للذات.
لكن الاعتراف بهذا الجهد لا يمنع من طرح الأسئلة الضرورية حول طبيعة الممارسة النقابية نفسها. متى تتحول المسؤولية إلى موقع؟
ومتى تتحول التمثيلية من تكليف إلى امتياز؟ ومتى يصبح التفرغ وسيلة لخدمة الشغيلة، ومتى يمكن أن يتحول، في بعض الحالات، إلى عنصر من عناصر التنافس التنظيمي؟
هذه أسئلة لا تستهدف أشخاصا بعينهم، وإنما تستهدف حماية العمل النقابي من كل ما يمكن أن يضعف صورته أو يبعده عن وظيفته الأساسية. فالعمل النقابي، في جوهره، يقوم على الثقة. والثقة لا تبنى فقط بالخطاب، وإنما بالممارسة. ولا تستمر بالنتائج الانتخابية وحدها، وإنما بالحضور والمصداقية والقدرة على الدفاع عن المصالح الجماعية.
ومن هنا، ربما يكون من المفيد لجميع التنظيمات النقابية أن تنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من منطق “من الأقوى؟” إلى منطق “من الأكثر قدرة على خدمة الشغيلة؟”
فليس المطلوب أن تتفق النقابات في كل شيء، ولا أن تتخلى عن تنافسها أو اختلافها. المطلوب فقط أن يبقى الخلاف داخل حدود المسؤولية، وأن يكون التنافس حول الأفكار والبرامج والحصيلة، لا حول الأشخاص. وأن تظل الشغيلة هي مركز الاهتمام، لا مجرد جمهور ينتظر موسم الانتخابات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعمل النقابي هو أن يصبح الانشغال بالتمثيلية أكبر من الانشغال بالوظيفة التي جاءت التمثيلية من أجلها.
فالانتخابات تمر. والولايات تنتهي. والمسؤوليات تتغير. أما قضايا القطاع فتبقى.
وما يبقى في النهاية ليس عدد البيانات التي أصدرتها هذه النقابة أو تلك، ولا عدد الردود التي نشرتها، وإنما ما الذي تحقق فعلا لفائدة الشغيلة؟
لهذا، فإن المرحلة تحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء، وإلى شيء من الحكمة، وإلى نقاش نقابي يرفع من قيمة الاختلاف بدل أن يحوله إلى خصومة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه النقابات للشغيلة في هذه المرحلة هو أن تجعل من التنافس الانتخابي مناسبة للتنافس في المصداقية، والحصيلة، والبرامج، والقدرة على الدفاع عن الحقوق.
أما تحويل الساحة النقابية إلى معركة مفتوحة حول المواقع، فلن يكون رابحها الحقيقي إلا على حساب الثقة التي تحتاجها النقابات أكثر من أي وقت مضى.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق الجميع، نقابيين وشغيلة على حد سواء:
هل نريد تمثيلية أكبر للنقابة، أم نريد تمثيلية أقوى للشغيلة؟ الفرق بين السؤالين ليس بسيطا.
وفي الإجابة عنه يتحدد، إلى حد بعيد، معنى العمل النقابي نفسه.
