مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“الملك لا يحصل إلا بالعصبية.” — عبد الرحمن بن خلدون
“الشرعية ليست ما يفرض بالقوة، بل ما يعترف به الناس.” — في جوهر نظرية ماكس فيبر
ليست كل عودة إلى السياسة استعادة لموقع، كما ليست كل مغادرة إعلانا لنهاية الدور. فهناك رجال يغادرون المؤسسات، لكنهم لا يغادرون التاريخ، وآخرون يبتعدون عن الأضواء فيما تظل أسماؤهم حاضرة في حسابات الفاعلين وفي ذاكرة الدولة والأحزاب معا. لذلك، فإن الحديث عن احتمال عودة إلياس العمري إلى المشهد السياسي، من أجل مساندة صديقه فوزي لقجع في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، لا ينبغي أن يقرأ باعتباره خبرا حزبيا عابرا، بل باعتباره حدثا يختبر واحدة من أقدم إشكاليات الفكر السياسي: كيف تصنع الشرعية؟ وكيف تنتقل الزعامة؟ وهل تستطيع الكفاءة الإدارية أن تعوض المسار النضالي الذي راكمته الأحزاب عبر سنوات من الاحتكاك بالمجتمع؟
قد تبدو القصة، في ظاهرها، مجرد عودة رجل لدعم رجل آخر، لكنها في عمقها تفتح بابا واسعا على أسئلة الدولة والحزب والنخبة. إنها ليست قصة إلياس العمري وفوزي لقجع فقط، بل قصة نموذجين مختلفين في صناعة القيادة؛ نموذج السياسي الذي صعد عبر دهاليز التنظيم والحسابات الحزبية، ونموذج المسؤول الذي جاء من عالم التدبير والإنجاز، ويحاول اليوم أن يعبر من شرعية المؤسسة إلى شرعية السياسة.
ولا يختلف اثنان حول ما راكمه فوزي لقجع من نجاحات في تدبير كرة القدم المغربية. فمن الإنصاف الاعتراف بأن المغرب عرف خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا في بنياته الرياضية، وفي حضوره القاري والدولي، حتى أصبح شريكا في تنظيم كأس العالم 2030، وهو إنجاز يعكس رؤية دولة قبل أن يكون إنجاز فرد، مهما كانت كفاءته أو حجم مساهمته. غير أن السياسة ليست امتدادا طبيعيا للرياضة، كما أن النجاح في الإدارة لا يتحول تلقائيا إلى نجاح في المجال السياسي. فالرياضة تقاس بالأهداف، وبالألقاب، وبالترتيب العالمي، أما السياسة فتقاس بقدرة الفاعل على بناء الثقة، وإدارة الاختلاف، وتحمل كلفة القرار، وصناعة القبول الاجتماعي.
هنا بالضبط يبدأ النقاش الحقيقي. فالسؤال ليس: هل فوزي لقجع رجل كفء؟ لأن الكفاءة تكاد تكون محل إجماع. السؤال هو: هل تكفي الكفاءة وحدها لصناعة زعيم سياسي؟
لقد كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن السلطة تستند إلى شرعية تقليدية، وشرعية كاريزمية، وشرعية قانونية. ولو أضفنا إلى نظريته خصوصية التجربة المغربية، لقلنا إن هناك شكلا رابعا من الشرعية، هو شرعية التدرج النضالي؛ تلك التي يكتسبها السياسي من خلال سنوات من العمل الحزبي، والاحتكاك بالمواطنين، وخوض المعارك الانتخابية، وتحمل الهزائم قبل الانتصارات. ولذلك فإن السياسة ليست وظيفة إدارية، بل سيرة طويلة تكتب فصولها على مهل.
ولعل عبد الرحمن بن خلدون كان أكثر دقة حين كتب في مقدمته الشهيرة: “الملك لا يحصل إلا بالعصبية.” لم يكن يقصد عصبية الدم أو القبيلة فقط، وإنما ذلك التماسك الذي يمنح الجماعة قدرتها على إنتاج قيادتها. ولو أسقطنا هذا المفهوم على الأحزاب الحديثة، لأصبحت العصبية هي التنظيم، والتاريخ المشترك، والشرعية التي تمنحها القواعد لقياداتها. ومن هنا يصبح “الإنزال بالمظلة” سؤالا سياسيا قبل أن يكون إجراء تنظيميا، لأن الزعامة لا تستورد كما تستورد الكفاءات التقنية، ولا تختزل في قرار مهما كانت الجهة التي أصدرته.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في شخص فوزي لقجع، بل بالدفاع عن فكرة السياسة نفسها. فالأحزاب ليست إدارات عمومية تبحث عن مدير ناجح، وليست شركات مساهمة تبحث عن رئيس مجلس إدارة، وإنما هي فضاءات لإنتاج النخب، وصناعة القيادات، وإدارة الاختلافات. وعندما تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج زعمائها من داخلها، فإن الأزمة لا تصبح أزمة أشخاص، وإنما أزمة نموذج سياسي بكامله.
ومن هنا يكتسب اسم إلياس العمري دلالته. فالرجل، مهما اختلفت المواقف منه، يبقى أحد أبرز الوجوه التي طبعت مرحلة كاملة من تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة. لقد كان حاضرا بقوة، ثم اختار الغياب، حتى صار السؤال الذي يلاحقه منذ سنوات: “أين إلياس؟”. لكنه لم يكن سؤالا عن مكان رجل، بقدر ما كان سؤالا عن مرحلة سياسية بكاملها.
وإذا عاد اليوم، فلن يعود ــ على الأرجح ــ ليستعيد موقعا تنظيميا، وإنما ليؤدي دورا أكثر تعقيدا، هو ما تسميه الأدبيات السياسية الغربية بـ “صانع الملوك” (Faiseur de rois)؛ ذلك الرجل الذي قد لا يجلس على العرش، لكنه يمتلك القدرة على ترجيح كفة من يجلس عليه. وهي صورة نادرة في السياسة المغربية، حيث اعتدنا أن تكون العودة مرتبطة بالرغبة في استعادة القيادة، لا في صناعة قيادة جديدة.
لكن هنا أيضا تبرز المفارقة. فإذا كان فوزي لقجع يحتاج إلى خبرة إلياس العمري لفهم دهاليز السياسة، فإن إلياس العمري يحتاج بدوره إلى نجاح لقجع حتى لا تقرأ عودته باعتبارها مجرد حنين إلى زمن مضى. إنها علاقة متبادلة، قد ينجح فيها الرجلان معا، أو يخسران معا.
وقد كان نيكولو ميكيافيلي واعيا بهذا التعقيد حين تحدث في كتاب “الأمير” عن مفهوم “الفضيلة” (Vertu)، مؤكدا أن الحكم لا يقوم على الكفاءة وحدها، وإنما على القدرة على قراءة موازين القوى، والتكيف مع المتغيرات، وإدارة الصراع. فالسياسة ليست علما حسابيا، وإنما فن التعامل مع الممكن، كما سيقول لاحقا ريمون آرون. وهي لهذا السبب تختلف جذريا عن الإدارة، لأن المدير يشتغل بالأرقام، بينما يشتغل السياسي بالمجتمع، وبالمصالح، وبالرموز، وبالمشاعر الجماعية.
ولذلك كان أنطونيو غرامشي يرى أن القيادة لا تفرض بالقرارات، وإنما تبنى عبر الهيمنة الثقافية والرمزية، أي عندما يقتنع المجتمع بأن هذا القائد يمثل تطلعاته. أما الاكتفاء بشرعية الإنجاز التقني، فإنه يظل ناقصا ما لم يتحول إلى شرعية سياسية واجتماعية.
لقد عرف المغرب خلال العقدين الأخيرين انتقال شخصيات من عالم المال، والإدارة، والتقنوقراط، إلى المجال السياسي، وكانت النتائج متفاوتة. وبعض تلك التجارب اصطدم بصلابة الواقع الاجتماعي، واكتشف أن لغة الأرقام لا تكفي لفهم لغة الشارع، وأن تدبير الميزانيات يختلف عن تدبير التناقضات المجتمعية. فليس كل مدير ناجح سياسيا ناجحا، كما أن التاريخ السياسي مليء بأسماء لم تكن تكنوقراطية، لكنها امتلكت القدرة على مخاطبة الناس وصناعة الأمل.
ولعل أخطر ما عرفته الحياة الحزبية المغربية في العقود الأخيرة هو ما يمكن وصفه بـ”البريكولاج السياسي”، أي محاولة اختصار الزمن، وتعويض التراكم التنظيمي بالحلول السريعة. غير أن التاريخ يعلمنا أن المؤسسات القوية لا تبنى بالمفاجآت، وأن الأحزاب التي تستورد قياداتها أكثر مما تنتجها، تفقد تدريجيا قدرتها على التجدد.
كتب هيغل أن التاريخ يتحرك في جدلية مستمرة، وأضاف كارل ماركس عبارته الشهيرة بأن التاريخ يعيد نفسه “مرة كمأساة، ومرة كمهزلة”. غير أن التجربة المغربية توحي بأن التاريخ لا يكرر الأشخاص، بل يكرر الأسئلة. والسؤال الذي يعود اليوم ليس من سيقود حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما كيف تصنع القيادة في المغرب؟ وهل يمكن اختصار الزمن السياسي بقرار تنظيمي، أم أن الزعامة تظل، كما قال ابن خلدون، ابنة العصبية والتراكم والامتداد المجتمعي؟
ولو تحققت عودة إلياس العمري لدعم فوزي لقجع، فإن المغرب سيكون أمام واحدة من أكثر القصص السياسية إثارة منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة. رجل كان يوما عنوانا لمرحلة كاملة، يعود لا ليستعيد الزعامة، بل ليمنحها لغيره. إنها صورة غير مألوفة، وقد تكون سابقة في الحياة السياسية المغربية.
لكن السياسة ليست فيلما سينمائيا يكتب مخرجه النهاية قبل بداية العرض، ولا رواية يختار مؤلفها خاتمتها سلفا. إنها المجال الوحيد الذي قد تسقط فيه لحظة واحدة حسابات سنوات، وقد تغير فيه إرادة المجتمع كل السيناريوهات المعدة سلفا.
ويبقى السؤال معلقا: هل ستكون عودة إلياس العمري شهادة ميلاد سياسية جديدة لفوزي لقجع، أم مجرد فصل جديد من فصول “البريكولاج السياسي” الذي رافق جزءا من تطور الحياة الحزبية المغربية؟ لا أحد يملك جوابا يقينيا. لكن المؤكد أن السياسة، كما علمنا ابن خلدون، وفيبر، وميكيافيلي، وغرامشي، لا تعترف إلا بشرعية تنتزع من المجتمع، لا بشرعية تمنح من فوق، وأن الزعامة الحقيقية لا تورث، ولا تستورد، ولا تنزل بالمظلات، وإنما تبنى حجرا فوق حجر، في الزمن الطويل، وبين الناس، وتحت الامتحان الأصعب على الإطلاق. إنه امتحان التاريخ.
