مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
نعيش في مراحل من حياتنا مجموعة من المشاعر المعقّدة، التي ينتج عنها العديد من الأفعال والأفكار، منذ الطفولة إلى الشيخوخة. لكن خلال هذه المراحل، نتعايش مع أنواع مختلفة من المشاعر والأحاسيس التي وهبها الله لنا؛ تلك الفطرة الإلهية التي منحها الرحمن الودود لكل ذي قلب، وأودعها في كل قلب لتسود المودة والرحمة بين جميع الخلائق
يمر بنا العمر ونحن لا نعير مشاعرنا أي اهتمام، فتظل دفينة القلب والروح؛ تلك الروح المشرقة التي تنير طريقنا عندما تكون المشاعر صادقة نابعة من أعماق قلوبنا، لا يشوبها زيف ولا نفاق. ذاك الحب الذي زرعه الله فينا، بدءًا بحب الله، وحب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولا ننسى حب الوالدين، وهو أعظم محبة خالصة لله
فعندما نتحدث عن الحب كأسمى المشاعر وأعلى المراتب في حياتنا، نكتشف كم نفتقد إلى الحب الحقيقي؛ إذ يعبر كلٌّ منا عن هذا الحب من فرط حاجته إليه، حتى صار الحب مفرغًا من معناه، مدنّسًا في مفهومه، فاقدًا لقيمته الحقيقية. حتى أصبحت كلمة الحب ملوّثة ممن هبّ ودبّ، يُستعمل هذا المصطلح وسيلة لبلوغ غاية خفية، لا علاقة لها بجوهر الحب
إن غياب الفهم الحقيقي لهذه الكلمة الشريفة التي تغنّى بها الشعراء، وحاك حولها الفلاسفة نظرياتهم، وتغنّى بها الفنانون، أدى إلى تدهور معناها الحقيقي الذي يتجلّى في أحاسيس روحية يصعب ترجمتها إلى واقعنا. فالحب هو محرّك علاقاتنا الإنسانية، غير أن مفهومه تبخّر عند البعض، رغم حاجتنا إليه. واستُبدل بحب آخر: حب الماديات، وحب الظهور، وحب الأنا، والسعي للتغلب على الآخر واستغلاله باسم الحب، في حين أن الحب الحقيقي إحساس عميق، أساسه النقاء، لا يتغير، ويبقى من أسرار الله العظمى
ذلك الحب الذي لا يمكننا خلطه بما يدعيه البعض حبًّا، بينما هو بعيد كل البعد عنه. فالحب خصلة نادرة، يزرعها الله في قلوب أبت أن تكره يومًا. إنه ينبع من الأرواح التي تتّسم بالنقاء والسلام الداخلي، فتفيض به الحياة وتزدهر؛ كالماء الذي ينبثق من نبع صافٍ فيروي الأرض، ويُحيي بها الكائنات
يقولون إن الزواج مقبرة الحب، وأنا ضد هذه النظرية؛ لأن من يبدأ بالحب ويتغذّى عليه في علاقة حلال، فإن الزواج يكون حديقته المزهرة، يزدان بجميع أنواع الورود. ذاك الحب لا يصيبه العجز، ولا تنقطع حباله مع مرور الوقت، بل يزداد قوة ونقاء ونضارة
صحيح أن هناك نماذج ضلّت الطريق إلى الحب، وكان الزواج فعلاً مقبرتها، وهذا غالبًا ما يكون بسبب الاختيار الخاطئ. وبعد فوات الأوان، لا يمكن الرجوع، لأن هناك طرفًا ثالثًا – الأطفال. فتستمر العلاقة بين الزوجين باردة، خالية من مشاعر الحب، قائمة على أداء الواجبات، لا تمسّ الجزء الذي يحتاج إلى الحب والاحتواء العاطفي. وهذه أحد الفروق الجوهرية بين الإنسان وغيره من الكائنات؛ لأن الإنسان يبحث عن الحب كقيمة روحية لا مادية، في حين أن الحيوان تحكمه الغرائز فقط
مهما تحدثنا عن هذا الإحساس الجميل لن نوفيه حقه، لأن كل ما بُني على حب لا ينتهي، بل يستمر إلى ما لا نهاية؛ لأنه يحمل الصدق، والوفاء، والتضحية، والاحترام، والتقدير، من قلب لا يعرف الغدر ولا الخيانة. لهذا فكل بنيان أُسِّس على الحب لن ينهار على شفى حفرة، كما في قوله تعالى:
“أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”
ما أعظم هذا الشعور الروحي الذي يملأ وجداننا سكينة وهدوءًا! أن تعطي الحب، فأنت بذلك تعطي كل شيء، طبعًا بكل حب. فالله يرزق الحب، ويهبه لأشخاص دون غيرهم، يترعرع في أرواحهم، ويطلق ذبذباته الروحية نحو من كتب الله له أن يكون شريك هذا الحب الصادق، فتنشأ محبة خالصة، نابعة من أرواح نقية طاهرة، تسود بها الألفة، ويصفو القلب من الأحقاد والآثام
فكيف تستمر الحياة إن كنا نفتقد الحب؟ كيف نعيش ونحن نمثّل على بعضنا البعض؟ صحيح أن ليس كل من تزوج فعل ذلك عن حب، وأنا لا أتحدث عن الحب الخارج عن نطاق الدين والتقاليد؛ فنحن مجتمع تحكمه الأعراف، ولا يمكن التحرر منها كليًا. لكن الله أعطانا الحياة لنعيشها بحب، ونخلق معًا جوًّا من التعايش غير المشروط، لا من أجل مصلحة، بل من أجل إنسانيتنا واحتياجنا لهذا الشعور السامي، الذي يطهّر القلوب من الحقد والغل والحسد
عندما نحب، نحب بكل جوارحنا، وتلتقي الأرواح، وهنا يكمن سر تلاقيها. فمهما اختلفت الظروف أو باعدت المسافات، يظل الحب الحقيقي هو الرابط الأسمى، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم
“الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”
وهذا دليل على نقاء القلوب وصفائها
إنها لغة القلوب، ولعل أحد أسباب تلاقي روحك مع روح إنسان معين، هو تشابه الصفات، فحين تلتقي بتوأم روحك، لا تعرف كيف ولا متى، لأن الحب هو من جمعكما. إنه قاسم الروح، لأنه ألغى كل الحواجز وكسر القيود، فالأرواح تتحد وتلتقي. وليس الأمر مجرد علاقة عاطفية أو إعجاب، بل تتطور لتصبح علاقة سامية خالية من الأغراض الدنيوية الزائلة.
القيمة الحقيقية للحب أن نتصرف بحب، ونعطي بحب. يقول جبران خليل جبران
“ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تأتي بالمعاشرة الطويلة… إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي”
فالحب ثمرة توفيق إلهي، لا اجتهاد شخصي، حين تتلاقى الأرواح ويتناغم الفكر وتنسجم القلوب. فنحن لا نحب حين نختار، ولا نختار حين نحب؛ لأن الحب ليس قرارًا، بل هو نفحة إلهية تبعث فجأة في القلب، فتراك متيّمًا، هائمًا… بحبٍّ لا يُشبهه شيء
