Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تُسرق اللحظة في زمن المنصات

هل نعيش اللحظة حقًا، أم نُؤرّخها فقط؟

في زمنٍ تتسيّده الكاميرات وتتحكم فيه الخوارزميات، أصبحنا نطارد الصورة المثالية أكثر مما نلاحق المعنى الحقيقي للحياة. فهل ما نعيشه هو الواقع، أم مجرد عرض رقمي هشّ؟

بات من النادر أن نحيا لحظاتنا كما ينبغي. نحضر لقاءً عائليًا، نشارك في نزهة مع الأصدقاء، أو نؤدي طقسًا تعبّديًا، لكن ما إن تبدأ اللحظة حتى نُسلِّم أنفسنا لهواتفنا. نضبط العدسات، نلتقط الصور، نغرق في تفاصيل التعديل، نبحث عن الزاوية المثالية، نُسرع بالنشر، ثم نترقّب التفاعل… وبينما نحن منغمسون في هذا كله، تفلت اللحظة من بين أيدينا كما يتسرّب الماء من راحة الكف.

يا للمفارقة! كم من الذكريات وثّقناها بصريًا، ولم نلمسها وجدانيًا؟ كم من اللحظات جمّدناها في ذاكرة رقمية باردة لا دفء فيها ولا حياة؟ ثم تلاشت فجأة عند أول عطل، أو بلمسة زر طائشة؟ آلاف الصور تُلتقط يوميًا، لكن كم منها ينجو من النسيان؟

على النقيض، تتشبث صورنا الورقية القديمة بالذاكرة، تلك التي وُلدت بعدسات متواضعة واحتفظت بدهشة العيون وصدق الابتسامات. صور باهتة، نعم، لكنها مفعمة بحميمية لا تُوصف… لأنها التُقطت بقلبٍ كان حاضرًا، من أجل الذكرى فقط. لم نطارد فيها اللقطة المثالية، ولم نحسب للإضاءة والزوايا ألف حساب. كانت اللحظة لنا، نعيشها بصدق، لا تُستباح ولا تُبثّ ولا تُعرض.

أما اليوم، فقد فرضت علينا المنصات إيقاعًا مختلفًا؛ نعيش كما تشتهي، نندهش متى أرادت، ونعجب بما تختار. وكأننا أصبحنا عبيدًا لصنم رقمي لا يعرف الرحمة.

ليست المسألة مجرّد تحوّل تقني بريء؛ بل انزلاق خطير في علاقتنا بالزمن، وبأنفسنا. بتنا نعيش داخل صندوق رقمي محكم، لا نعرف كيف نكسره، ولا كيف نفرّ منه. الأخطر من ذلك أن كل ما نملكه اليوم هشّ، افتراضي، قابل للضياع في لحظة. وما حدث مؤخرًا في بعض دول جنوب أوروبا من انقطاع مفاجئ للكهرباء والإنترنت لم يكن مجرد عطل عابر، بل ناقوس خطر يدقّ بقوة: ذاكرة أجيال مهددة بالمحو في طرفة عين.

نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نُعيد وصل ما انقطع بيننا وبين ذواتنا، وأن نعود إلى الزمن الحقيقي، لا الرقمي. أن نتصالح مع اللحظة بدل أن نُطاردها، أن نعيشها لا أن نُوثّقها، أن نحفظها في القلب لا على رقاقات بلا روح.

فالصورة التي تُلتقط بالعين والقلب، وحدها تبقى حيّة في الوجدان،
حتى إن لم تُنشر أو تُعجب بها الجموع.

إن اللحظة الصادقة، تلك التي نعيشها بكامل الحضور، هي وحدها القادرة على أن تترك فينا أثرًا لا يُمحى، وتمنح للحياة طعمًا لا تصنعه أحدث الكاميرات، ولا تبلغه أكثر العدسات تطورًا.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...