Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حفيظ الفلوس .. حين تصنع التجربة رجل المسؤولية

من استعلامات القنيطرة إلى تدبير أمن طنجة، مسار مهني عنوانه الكفاءة والانضباط والإنصاف.

ليس سهلا أن تكتب عن رجل تعرفه من خلال منصبه فقط، والأصعب أن تكتب عن رجل سبق أن تعاملت معه عن قرب، وعاينت في مرحلة من مراحل مساره كيف يفكر، وكيف يتعامل، وكيف يدير مسؤوليته.

لذلك، فإن الحديث عن المراقب العام حفيظ الفلوس بالنسبة إلي ليس مجرد متابعة لتعيين أمني جديد، ولا محاولة لاستعراض سيرة مسؤول أمني ارتقى في سلم المسؤوليات؛ بل هو، في جانب منه، استعادة لذاكرة مهنية تعود إلى الفترة التي كان فيها مسؤولا عن الاستعلامات العامة بمدينة القنيطرة، حيث أتيحت لي فرصة التعامل معه عن قرب.

ومن موقع من عايش تلك المرحلة، أقول إن بعض المسؤولين لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تدرك طبيعة شخصيتهم المهنية. تكفيك طريقة تعاملهم مع الناس، وطريقة إنصاتهم، وكيف يتخذون القرار، وكيف يميزون بين ما تفرضه المسؤولية وما يقتضيه الإنصاف.

وهذه، في تقديري، إحدى السمات التي ميزت حفيظ الفلوس.

في العمل الأمني، لا تصنع الهيبة بالرتبة وحدها، ولا تفرض المسؤولية بمجرد المكتب الذي يجلس فيه المسؤول. الهيبة الحقيقية تبنى من الشخصية، ومن القدرة على ضبط النفس، ومن معرفة متى يكون الحزم ضروريا ومتى يصبح الإنصات أكثر فاعلية من القرار السريع.

وحين عرفت حفيظ الفلوس مسؤولا عن الاستعلامات العامة بالقنيطرة، كان ما يلفت الانتباه فيه هو ذلك التوازن بين طبيعة المهمة التي تفرض اليقظة والدقة والصرامة، وبين أسلوب في التعامل لا يجعل من المسؤولية حاجزا بين رجل الأمن ومحيطه.

لم يكن مفهومه للصرامة، كما عاينته، مرادفا للتعسف، ولا كانت المرونة تعني التنازل عن مقتضيات المسؤولية. كان هناك دائما ذلك الخيط الرفيع بين الحزم والإنصاف.

وهي معادلة ليست سهلة، لأن المسؤول الأمني يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام أوضاع تحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى تقدير، والتقدير يحتاج قبل كل شيء إلى شخصية متزنة.

ومن هنا، فإن شهادتي عنه لا تنطلق من الصورة التي صنعتها الرتبة الجديدة، وإنما من رجل عرفته قبل أن يصبح اسمه مرتبطا بمنصب والي أمن طنجة بالنيابة.

مسؤولية الاستعلامات العامة ليست مجرد مهمة إدارية عادية؛ فهي مجال يحتاج إلى دقة المعلومة، وحسن التقدير، والقدرة على قراءة التفاصيل وربطها بالسياق العام.

ولهذا فإن التجربة في هذا المجال يمكن أن تشكل مدرسة حقيقية للمسؤول الأمني، لأنها تعوده على أن الأمن لا يبدأ دائما عندما تقع الجريمة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: بالمعلومة، والرصد، والتحليل، والتقدير، والوقاية.

وفي هذا السياق، اكتسب حفيظ الفلوس تجربة مهنية مهمة، قبل أن ينتقل إلى مسؤوليات قيادية أكبر.

وتؤكد المعطيات المنشورة أنه كان يشغل مسؤولية رئيس مصلحة الاستعلامات العامة بولاية أمن طنجة قبل تعيينه نائبا لوالي أمن طنجة في دجنبر 2022، في قرار عكس الثقة في تجربته وكفاءته.

لكن بالنسبة لمن عرفه في مرحلة سابقة، فإن الأهم ليس فقط أسماء المناصب التي تقلدها، وإنما ما راكمه خلالها من تجربة في التعامل مع الملفات والأشخاص والوقائع.

في دجنبر 2022، انتقل حفيظ الفلوس إلى مستوى جديد من المسؤولية، بعدما تم تعيينه نائبا لوالي أمن طنجة.

وبعد نحو سنة، جاءت الترقية إلى رتبة مراقب عام ضمن الترقيات الأمنية التي شملت عددا من المسؤولين بولاية أمن طنجة في مطلع سنة 2024. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن ترقيته جاءت بعد مسار من المسؤوليات، كان آخرها رئاسة مصلحة الاستعلامات العامة ثم منصب نائب والي الأمن.

وهنا تصبح الترقية أكثر من مجرد انتقال في السلم الإداري؛ فهي أيضا اعتراف بتراكم تجربة مهنية داخل مؤسسة لا تمنح مواقع المسؤولية فقط بناء على الأقدمية، وإنما وفق منظومة من المعايير المرتبطة بالكفاءة والانضباط وتحمل المسؤولية.

اليوم، يجد حفيظ الفلوس نفسه أمام محطة مختلفة تماما في مساره.

ففي 2 شتنبر 2026، أشر المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي على تعيينه واليا لأمن طنجة بالنيابة، خلفا لعبد الكبير فرح الذي انتقل إلى الإدارة المركزية لتولي مسؤولية مدير الأمن العمومي.

والمفارقة الجميلة في المسار أن الرجل لا يصل إلى قيادة ولاية أمن طنجة غريبا عن مؤسستها؛ فقد سبق أن اشتغل داخلها، وتولى فيها مسؤولية الاستعلامات العامة، ثم أصبح نائبا لوالي الأمن.

وهذا يمنحه شيئا بالغ الأهمية في العمل القيادي: معرفة المؤسسة من الداخل.

فالمسؤول الذي يعرف رجاله، ويعرف مصالحه، ويعرف طبيعة الملفات التي اشتغل عليها، لا يبدأ من الصفر. إنه يبدأ من حيث انتهى الآخرون.

قد تقاس فعالية الأجهزة الأمنية بالأرقام والمؤشرات ومعدلات الجريمة ونسب فك لغز القضايا، لكن الأمن في عمقه شيء آخر أيضا.

إنه شعور المواطن بالأمان. وهو الثقة في رجل الأمن. وهو الإحساس بأن القانون يطبق بحزم، ولكن دون ظلم؛ وبصرامة، ولكن دون تعسف؛ وبسرعة، ولكن دون تسرع.

وهنا تحديدا أستحضر تجربتي الشخصية مع حفيظ الفلوس.

فما بقي في الذاكرة ليس فقط المسؤول الأمني، وإنما الإنسان الذي كان يدرك أن وراء كل ملف أشخاصا، وأن وراء كل معلومة سياقا، وأن المسؤولية لا تعني أن يسمع المسؤول صوته فقط، بل أن يعرف كيف يستمع أيضا.

كثيرون يستطيعون أن يكونوا صارمين، وقليلون يستطيعون أن يكونوا صارمين ومنصفين في الوقت نفسه.

والصرامة التي تستحق الاحترام ليست تلك التي تخيف الناس، وإنما تلك التي تجعل الجميع يعرفون أن القانون فوق الجميع.

من هنا، فإن عبارة “الصرامة المنصفة” أجدها أكثر ما يلخص الصورة المهنية التي تكونت لدي عن حفيظ الفلوس من خلال التعامل معه.

فهو رجل ينتمي إلى مؤسسة تقوم طبيعتها على الانضباط، لكنه، في المقابل، يدرك أن الانضباط الحقيقي لا يكون إلا حين يقترن بالمسؤولية الأخلاقية.

وهذه قيمة مهمة في رجل الأمن، لأن القوة حين تنفصل عن الإنصاف تتحول إلى مجرد سلطة، بينما القوة حين تكون محكومة بالقانون والعدل تصبح خدمة للمؤسسة والمجتمع.

حين أتأمل اليوم المسار الذي قطعه حفيظ الفلوس، أستعيد صورة المسؤول الذي عرفته في القنيطرة، وأقارنها بالموقع الذي وصل إليه اليوم.

ليس الأمر مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى.

إنه انتقال من مسؤولية إلى أخرى، ومن موقع يحتاج إلى دقة المعلومة إلى موقع يحتاج إلى القدرة على قيادة منظومة كاملة.

وهذا هو معنى التدرج الحقيقي في المؤسسات: أن لا يأتي الرجل إلى موقع القيادة فجأة، وإنما يصل إليه بعد أن يمر عبر محطات تمنحه الخبرة وتختبر قدرته على تحمل المسؤولية.

وإذا كانت بعض المواقع تصنع شهرة المسؤول، فإن المواقع السابقة هي التي تصنع شخصيته المهنية.

طنجة تحتاج إلى رجل يعرف معنى المسؤولية

طنجة اليوم ليست مدينة عادية.

هي مدينة اقتصادية وسياحية ومينائية ذات حركية بشرية وتجارية واسعة، وتعرف دينامية عمرانية ومجالية متسارعة، الأمر الذي يجعل تدبير أمنها مسؤولية كبيرة ومتعددة الأبعاد.

ومن ثم، فإن مهمة والي الأمن لا تختزل في محاربة الجريمة فقط، وإنما تشمل الحفاظ على النظام العام، وتأمين المواطنين وممتلكاتهم، ومواكبة الحركية الكبرى التي تعرفها المدينة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية.

وتشير المعطيات المنشورة بشأن تعيين الفلوس إلى أن تكليفه يأتي في إطار ضمان استمرارية تدبير ولاية أمن طنجة، والاستفادة من معرفته السابقة بمصالحها وملفاتها.

وهي استمرارية لا تعني الجمود، بل تعني البناء على ما تحقق، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، ورفع مستوى النجاعة حيثما كان ذلك ضروريا.

ولأنني لا أكتب هنا من موقع المتابع البعيد، أجد من الإنصاف أن أقول إن معرفتي بحفيظ الفلوس تعود إلى مرحلة كان فيها مسؤولا عن الاستعلامات العامة بالقنيطرة.

تعاملت معه آنذاك، واحتفظت عنه بصورة مسؤول أمني جاد، يعرف حدود مسؤوليته، ويقدر قيمة المعلومة، ويتعامل مع محيطه بقدر من الاتزان يجعل الصرامة عنده مهنية أكثر منها شخصية.

ولذلك، فإن وصوله اليوم إلى تدبير ولاية أمن طنجة بالنيابة لا يبدو لي حدثا منفصلا عن ذلك المسار.

بل يبدو محطة طبيعية في رحلة مهنية طويلة، عنوانها الأساسي التدرج، والخبرة، والانضباط، وتحمل المسؤولية.

في نهاية المطاف، لا قيمة لأي منصب إذا لم يتحول إلى مسؤولية حقيقية. ولا قيمة للرتبة إذا لم يرافقها شعور بثقل الأمانة. والرجل الذي يصل إلى موقع قيادة جهاز أمني في مدينة بحجم طنجة يعرف، بلا شك، أن المكتب الجديد لا يحمل امتيازا بقدر ما يحمل واجبا.

ومن موقع من عرف حفيظ الفلوس في مرحلة سابقة من مساره، أتمنى له في مهمته الجديدة أن يظل وفيا للصفات التي جعلت تجربته المهنية تتقدم: الجدية في العمل، الانضباط في الأداء، الحزم حين يقتضي القانون الحزم، والإنصاف حين يكون الإنصاف هو الطريق الصحيح.

فالأمن في النهاية ليس فقط أن يشعر المواطن بالخوف من مخالفة القانون، وإنما أن يشعر أيضا بالثقة في أن القانون يحميه.

وهنا يكمن الفرق بين رجل يشغل منصبا أمنيا، ورجل يجعل من المسؤولية الأمنية رسالة مهنية وأخلاقية.

وحفيظ الفلوس، في تقديري، يدخل اليوم إلى هذه المحطة الجديدة وهو يحمل معه رصيدا من التجربة، ومعرفة بالميدان، ومسارا من التدرج.

أما الاختبار الحقيقي، فسيظل دائما هو المستقبل.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...