مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
سيدي سليمان – تحقيق وتحليل
تطور الجدل حول واقعة شهدتها الثانوية التأهيلية الأمير مولاي عبد الله بمدينة سيدي سليمان، بعد انتشار رواية تفيد تعرض مدير المؤسسة لاعتداء جسدي من طرف شخص قيل إنه “غريب” عن المؤسسة، قبل أن تظهر رواية أخرى، متداولة في أوساط مرتبطة بالمؤسسة، تقدم تفاصيل مغايرة بشأن هوية الشخص المعني وتسلسل الأحداث داخل جناح الإدارة.
الرواية الأولى، التي انتشرت على صفحات محلية بمواقع التواصل الاجتماعي، تحدثت عن اقتحام شخص غريب للمؤسسة واعتدائه على المدير أمام مكتبه، وأرفقت بصورة للمدير وهو يتلقى العلاج بالمستشفى، إلى جانب صورة لسيارة للأمن الوطني.
كما عزز هذه الرواية بيان صادر عن المكتب الإقليمي لهيئة الإدارة التربوية التابعة للجامعة الوطنية للتعليم، عبّر عن التضامن مع مدير المؤسسة وأدان ما اعتبره اعتداء على أحد أطر الإدارة التربوية.
غير أن الوقائع، في القضايا التي تتداخل فيها المسؤولية القانونية مع علاقة الإدارة بالمرتفقين، لا يمكن اختزالها في رواية واحدة أو في بيانات التضامن، خصوصا عندما تظهر معطيات أخرى تستوجب التحقق والاستماع إلى جميع الأطراف والشهود.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يوجه أي بحث مهني ونزيه: ماذا حدث داخل جناح الإدارة تحديدا؟ ومن كان في وضعية خطر، ومتى؟
هل كان الأمر يتعلق بشخص “غريب” أم بمرتفق؟
المعطيات التي يتم تداولها في أوساط مرتبطة بالمؤسسة تقدم رواية مختلفة بشأن هوية الشخص المعني، إذ تفيد، في انتظار تأكيدها من الجهات المختصة، بأنه ليس شخصا غريبا اقتحم المؤسسة، وإنما مرتفق وولي أمر دخل المؤسسة رفقة أخته التلميذة لقضاء مصلحة مرتبطة بها.
وبحسب هذه الرواية، فقد نشبت مشادات كلامية داخل جناح الإدارة، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهة استدعت حضور الأمن الوطني.
وتتحدث المعطيات نفسها عن وجود زوجة مدير المؤسسة داخل جناح الإدارة وتدخلها في النقاش مع المرتفقين، وهي نقطة تحتاج بدورها إلى توضيح رسمي، سواء من إدارة المؤسسة أو المديرية الإقليمية، خصوصا فيما يتعلق بصفة وجودها داخل فضاء الإدارة وطبيعة تدخلها في تدبير شؤون المرتفقين.
لكن النقطة الأكثر حساسية في الرواية الثانية تتعلق بما يقال عن إغلاق باب جناح الإدارة على المرتفق وأخته إلى حين وصول عناصر الأمن.
وهنا لا يتعلق الأمر، بحسب الرواية المتداولة، بمجرد إغلاق باب مكتب أو تنظيم الولوج إلى الإدارة، وإنما بمنع شخصين موجودين داخل الجناح من مغادرته.
وإذا ثبتت هذه الواقعة، فإنها تستوجب تحقيقا دقيقا في ملابساتها، وفي الجهة التي أصدرت التعليمات، ومن قام بتنفيذها، والمدة التي استغرقها الإغلاق، فضلا عن معرفة ما إذا كانت هناك وسيلة بديلة متاحة لطلب الإسعاف أو إخراج التلميذة في حال كانت في وضع صحي يستدعي التدخل.
التلميذة .. الحلقة الأكثر حساسية في الرواية
تذهب الرواية الثانية إلى أن أخت التلميذة تعرضت لانهيار نفسي وسقطت أرضا داخل جناح الإدارة، وهي واقعة، إن ثبتت، تطرح سؤالا أساسيا حول التدخل الذي تم لفائدتها في تلك اللحظة.
فوجود تلميذة، ولا سيما إذا كانت قاصرا، في حالة انهيار صحي أو نفسي، يستوجب التثبت من الإجراءات التي اتخذت لمساعدتها، ومن الجهة التي بادرت إلى طلب الإسعاف أو النجدة، وما إذا كان الباب قد فتح لها ولشقيقها لمغادرة المكان وطلب المساعدة.
وهنا تبرز أهمية الاستماع إلى الشهود الموجودين داخل جناح الإدارة، وإلى عناصر الأمن الخاص والطاقم الإداري، إضافة إلى المعنية بالأمر نفسها متى سمحت وضعيتها وسنها بذلك ووفقا للمسطرة القانونية المعمول بها.
من كان في خطر؟.. سؤال قانوني لا يحسم عبر صفحات الفيسبوك
الحديث عن “الشخص في خطر” يقتضي، قانونا، التمييز بين مراحل الواقعة وعدم وضع جميع الأحداث في سلة واحدة.
فإذا ثبت أن المدير تعرض فعلا لاعتداء لفظي أو جسدي، فإنه يكون في تلك اللحظة الطرف المتضرر، وله كامل الحق في طلب النجدة والحماية، كما يحق له اللجوء إلى السلطات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
لكن انتهاء الاعتداء – إذا ثبت أنه انتهى – يطرح سؤالا مختلفا بشأن ما وقع بعد ذلك.
فإذا ثبت أن شخصين كانا داخل جناح الإدارة قد منعا من المغادرة، فإن الأمر يستوجب فحص مدى قانونية ذلك الإجراء، وما إذا كان يستند إلى أساس قانوني واضح، خاصة أن صلاحيات الإدارة التربوية لا تعادل صلاحيات الشرطة القضائية في توقيف الأشخاص أو تقييد حريتهم.
ويكتسب الأمر حساسية أكبر إذا ثبت أن إحدى الموجودات، وهي تلميذة، تعرضت لانهيار أو حالة صحية استدعت المساعدة، ولم يتم اتخاذ التدابير اللازمة لإغاثتها.
وهنا يمكن أن يثار، بحسب نتائج البحث والوقائع التي سيجري إثباتها، النقاش حول مقتضيات القانون الجنائي المتعلقة بتقييد الحرية من جهة، وواجب تقديم المساعدة لشخص يوجد في خطر من جهة أخرى.
لكن الحسم في أي تكييف جنائي يظل من اختصاص السلطات القضائية وحدها، بعد التحقق من الوقائع والاستماع إلى جميع الأطراف والشهود وفحص الأدلة المتاحة.
روايتان .. والبحث وحده قادر على الفصل بينهما
المسألة، في نهاية المطاف، قد لا تكون بالبساطة التي قدمت بها على مواقع التواصل الاجتماعي.
فمن الممكن، إذا تأكدت المعطيات، أن يكون المدير قد تعرض لاعتداء في مرحلة أولى، وأن يكون المرتفق وأخته قد تعرضا، في مرحلة لاحقة، لوضعية تستوجب بدورها التحقيق.
وهذا يعني أن وجود طرف متضرر في مرحلة من الواقعة لا يمنع، من الناحية القانونية والواقعية، من احتمال وجود طرف آخر متضرر في مرحلة لاحقة.
لذلك فإن اختزال القضية في عنوان من قبيل “اعتداء شخص غريب على مدير مؤسسة تعليمية” قبل اكتمال البحث، قد يؤدي إلى تكوين حكم مسبق في قضية يفترض أن تخضع للتحقيق والاستماع والمواجهة بين الروايات.
أسئلة تنتظر أجوبة رسمية
ولأن المؤسسة التعليمية ليست ملكا لطرف دون آخر، ولأن سمعة الإدارة وحقوق المرتفقين وسلامة التلاميذ جميعها تستحق الحماية، فإن عددا من الأسئلة يفرض نفسه:
هل تم فتح بحث إداري شامل حول الواقعة والاستماع إلى جميع الأطراف، وليس إلى طرف واحد فقط؟
هل تم الاستماع إلى حراس الأمن الخاص والطاقم الإداري الموجود بجناح الإدارة، باعتبارهم من الشهود المحتملين على ما جرى؟
ما حقيقة وجود زوجة مدير المؤسسة داخل جناح الإدارة، وما هي صفتها القانونية، وما حدود تدخلها في استقبال المرتفقين؟
هل تم توثيق الحالة الصحية والنفسية للتلميذة بعد سقوطها، وهل طلبت لها المساعدة الطبية في حينها؟
وهل تضمنت محاضر البحث الأمني إفادات جميع الأشخاص الذين كانوا حاضرين داخل جناح الإدارة، بمن فيهم الشهود على واقعة الإغلاق المفترض؟
ثم، قبل كل ذلك: ما هي الرواية الكاملة للواقعة منذ لحظة دخول المرتفق إلى المؤسسة إلى حين وصول عناصر الأمن؟
هذه الأسئلة ليست دفاعا عن طرف ضد آخر، كما أنها ليست إدانة لأي شخص.
إنها ببساطة أسئلة صحفية مشروعة تفرضها ضرورة الوصول إلى الحقيقة.
فالمدير، إن ثبت تعرضه للاعتداء، يستحق الحماية والإنصاف. والمرتفق، إن ثبت أنه تعرض لتجاوز، يستحق بدوره الإنصاف. والتلميذة، إن ثبت أنها وجدت نفسها في وضعية خطر أو انهيار، لها حق الأولوية في الحماية والرعاية.
أما المؤسسة التعليمية، التي تضم نحو 1900 تلميذ وتلميذة، فلها حق أكبر في معرفة الحقيقة كاملة، بعيدا عن الروايات الأحادية والتضامنات المسبقة وأحكام مواقع التواصل الاجتماعي.
في هذه القضية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من نصدق؟ بل: ماذا حدث بالضبط؟ ومن كان في خطر، ومتى، ومن كان مسؤولا عن حمايته؟
والجواب لا يملكه الفيسبوك، ولا البيانات النقابية، ولا الروايات المتداولة في الكواليس.
الجواب يجب أن يخرج من بحث نزيه، شامل، وموثق، يقول فيه القضاء كلمته وفق ما ستثبته الوقائع والأدلة.
