Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

في الحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة

يعيش الحقل السياسي والحزبي في المغرب مفارقة عجيبة تطور مؤسساتي وقانوني وازمة نخب حزبية غير قادرة على بلورة مشروع مجتمعي ، وهاته المقالة سوف تحاول ان تشير من خلال محاورها الثلاثة الى العديد من الملاحظات التي تطبع الفعل السياسي المغربي وأزماته المتكررة .

المحور الأول: الفاعل السياسي وإشكالية التواصل

اتسم المــــسار التاريخي للأحزاب السياسية في المغرب بانحصار أدوارها الوظيفية داخــــل ثنائية تقليدية حـــــــادة (“السلطة/المعارضة”)، دون الاستثمار الفعلي في تطوير مشاريع مجتمعية متكاملة وتصورات تنموية دقيقة. وعلى الرغم مــــــن المحطات المفصلية التي توهمت إحداث قطائع سوسيوسياسية—بدءاً بتجربة حكومة التناوب التوافقي (1998)، مروراً بالديناميات الدستورية لعام 2011 وصعود صدارة العدالة والتنمية للتجربة الحكومية—إلا أن الحقل الحزبي حافظ على سماته التشتتية والتعددية الشكيلة.

وقد اتسمت البرامج الانتخابية بالتماثل السطحي المفتقر للعُمق الأيديولوجي، مما خلف فراغاً هيكلياً أفرز الظواهر السوسيولوجية التالية:

– هيمنة القيادات التقليدية وعقلية “التوريث”: استمرار إعادة إنتاج النخب عبر آليات الولاء والنسب بدلاً من آليات الاستحقاق والكفاءة الحزبية.

– بروز نفوذ الأعيان والسلطة المالية: تحوّل الأحزاب إلى أدوات كارتيلية للاستحقاقات الانتخابية، مما أزاح النخب الفكرية والسياسية المؤهلة لصياغة وتنفيذ السياسات العمومية.

وقد تجلت هذه الأزمة البنيوية بشكل صريح في تشخيص التقرير العام لـ “النموذج التنموي الجديد” بالمغرب، حيث أقر بالتراجع الحاد لدرجة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة والفاعلين السياسيين، متزامناً مع اتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية والمخرجات الواقعية.

حيث أن السياسي المغربي يمارس تواصلا موسميا، يظهر في الانتخابات ويختفي بعدها. يخاطب المواطن بلغة فوقية بينما المواطن اليوم أصبح أكثر وعيا بفضل الثورة المعلوماتية الرقمنة والذكاء الاصطناعي ، المواطن لا يريد سماع أرقام عامة، بل يريد أن يلمس الأثر في واقعه المعيشي.

المحور الثاني: الانتهازية والبلقنة

تحولت الأحزاب إلى وكالات انتخابية و ظاهرة الترحال السياسي قتلت الالتزام، وجعلت الانتداب غنيمة لا أمانة ،كما أن

الانتهازية في المغرب لم تعد سلوكا فرديا معزولا، بل أصبحت بنية داخل المشهد الحزبي حيث إنه في انتخابات 2021 و2026، لاحظنا ظاهرة “الترحال” بأرقام غير مسبوقة، حيث نجد أن الكثير من الأحزاب المغربية تحولت إلى مقاولات عائلية. الأمين العام يورث الحزب لابنه أو زوجته، والمكتب السياسي عبارة عن دائرة مقربة. حيث انه تم قتل الديمقراطية داخلية و المحاسبة، و تجديد للنخب. والاشكالية التي تطرح كيف لحزب غير ديمقراطي في داخله أن ينتج ديمقراطية في المجتمع؟

وأصبح الترشح للانتخابات هدفا في حد ذاته، ليس من أجل التشريع والترافع عن المواطن، بل من أجل التعويض الشهري، والامتيازات، والحصانة. وهنا تسقط قيمة السياسة النبيلة.

والبلقنة تخدم الانتهازية عندما يكون المشهد مفتتا، يصبح من السهل على “الرحل السياسيين” الابتزاز والمساومة

إن الفعل الحزبي في المغرب في حاجة ماسة إلى ثقافة سياسية مبنية على نخب سياسية حقيقية قادرة على تقديم قوة اقتراحية للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعاعية والجيواستراتيجية المعقدة للمجتمع المغربي .

المحور الثالث: أزمة الثقة السياسية

الثقة لا تُمنح بالشعارات، بل تُبنى بالإنجاز. ومن لا ينجز في الميدان، لا يستحق أن يتكلم باسم المواطن

ولا يمكن فصل أزمة الثقة السياسية بالمغرب عن السياقات التحولية العابرة للحدود؛ حيث يلتقي المحلي بالعالمي عبر أربعة محددات تفسيرية رئيسية:

– صعود الشعبوية وتراجع الأحزاب الأيديولوجية: تراجعت الأحزاب ذات البناء الفكري الصلب لصالح خطابات شعبوية تعتمد على التجييش العاطفي وتبسيط القضايا المعقدة، وارتفاع منسوب اليمين المتطرف عالمياً.

– سيادة الثقافة الدولتية وسلوك السلبية: تطور نمط سوسيولوجي من العزوف القائم على اللامبالاة والتوجس تجاه الفعل السياسي، مما أدّى إلى انسحاب الفرد من الشأن العام واتباع نهج الممانعة السلبية.

– تأثير النظام العولمي أحادي القطب: تقليص هامش المبادرة لدى الحكومات الوطنية والفاعلين السياسيين المحليين تحت ضغط القرارات الاقتصادية الماكرو-إيكولوجية وتأثير مجموعات الضغط (اللوبيات) الدولية.

– عولمة التفاهة والمجتمع الاستهلاكي: التحول نحو مجتمع الاستهلاك السريع الساطع، حيث يتم تهميش الثقافة السياسية وتسطيح النقاش العام، واستبدال المشاركة السياسية الواعية بنمط عيش سلبي يستند إلى “مجتمع الفرجة”.

هي النتيجة الحتمية. 70% من الشباب يقولون “السياسة لا تعنينا”. السبب: فجوة بين الوعود والإنجاز، وغياب المحاسبة و استعادة الثقة لن تكون بالخطاب، بل بالإنجاز الملموس.

على سبيل الختم

إن تجاوز حالة اللامشاركة والتصحر السياسي يتطلب القطع الفوري مع ثقافات الريع والزعيم ،كما ان هاته الورقة تجعلنا تؤكد على أنه لبناء مغرب قوي وصاعد بجميع أطيافة فإننا بحاجة الى إصلاح ورش الأخلاق السياسية لدى أحزابنا السياسية لأجل ارجاع الثقة في الفعل السياسي .


شاهد أيضا

شاهد أيضا