مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في القنيطرة، لم يعد الدخان مجرد دخان.
إنه سؤال معلق في سماء المدينة، يهبط مع كل سحابة سوداء إلى رئات المواطنين، ويدخل البيوت من دون استئذان، ويضع أمام المؤسسات مرآة لا يمكن إخفاؤها ببيان عابر أو بتطمين إداري.
ليلة أمس، عاد مطرح النفايات بأولاد برجال إلى الواجهة من بوابة النار والدخان والروائح الخانقة. وكأن المدينة التي تنتج النفايات يوميا مطالبة أيضا بأن تدفع ثمن التخلص منها من هوائها وصحة سكانها وطمأنينة أسرها. وهنا تحديدا ينبغي أن نتوقف. لأن القضية ليست: هل اندلع حريق؟
بل: لماذا اندلع؟ وهل كان يمكن تفاديه؟ وهل تتكرر هذه الحرائق؟ ومن يراقب طريقة تدبير المطرح؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول مرفق عمومي إلى مصدر قلق بيئي لمدينة بأكملها؟
هذه ليست أسئلة صحافية للفرجة، وإنما أسئلة مواطنة ومؤسساتية.
فالساكنة لا تطلب المستحيل. لا تطلب سوى أن تعرف ماذا تتنفس، وماذا يحدث فوق الأرض وتحتها. تريد أن تعرف ما إذا كانت شروط السلامة والبيئة محترمة، وما إذا كانت الجهة المكلفة بالتدبير تقوم بما يلزم، وما إذا كانت المراقبة تتم فعلا أم أنها تتحرك فقط بعد أن تشتعل النيران وتبدأ الهواتف في التقاط الصور.
الأخطر من الحريق هو أن يتحول الحريق المتكرر إلى أمر عادي. فالاعتياد على الخلل أخطر من الخلل نفسه.
عندما يتكرر الدخان، ويصبح المواطن قادرا على تمييز رائحته، وعندما تتحول النفايات المحترقة إلى مشهد مألوف، فإننا لا نكون أمام حادث تقني فقط، بل أمام احتمال وجود خلل في منظومة التدبير والمراقبة والوقاية.
وهنا لا بد من قول الكلام كما هو: المسؤولية لا تبدأ عند رجل الإطفاء الذي يصل لإخماد النيران، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عند من يدبر المرفق، ومن يراقبه، ومن يفترض أن يحاسبه.
أما الاختباء خلف فكرة أن النفايات مشكلة كل المدن، فليس جوابا.
كل المدن تنتج النفايات، نعم، لكن ليس كل المواطنين مطالبين بأن يصبحوا مختبرات بشرية يستنشقون ما ينتج عن تدبيرها.
وإذا كانت الجهات المسؤولة واثقة من سلامة الوضع، فالأمر بسيط: فلتخرج إلى المواطنين، ولتقدم نتائج التحاليل والمعطيات، ولتشرح للرأي العام حقيقة ما يحدث.
تحاليل للهواء. تحاليل للتربة. مراقبة للفرشة المائية. تقارير حول المطرح. معطيات حول الحرائق السابقة. دفتر التحملات. التزامات الشركة المكلفة بالتدبير. تقارير المراقبة. والإجراءات التي اتخذت.
هذه هي اللغة التي يفهمها المواطن اليوم.
أما لغة «الأمور تحت السيطرة»، من دون أرقام ولا نتائج ولا مسؤوليات محددة، فقد فقدت كثيرا من قدرتها على الإقناع.
والأكثر دلالة في هذه القضية أن سكان القنيطرة لم يكتفوا بالشكوى من الجهات المحلية، بل رفعوا صرختهم إلى جلالة الملك.
وهذه النقطة تستحق التوقف عندها أكثر من الدخان نفسه.
فحين يشعر المواطن أن صوته لم يعد يجد طريقه داخل المؤسسات القريبة منه، فإنه يبحث عن باب آخر. وحين تصل شكاية بيئية محلية إلى أعلى سلطة في البلاد، فذلك ليس انتصارا للمؤسسة المحلية ولا هزيمة لها؛ إنه جرس إنذار بشأن الثقة في قدرة المؤسسات على الإنصات والمعالجة قبل أن يصل المواطن إلى مرحلة الاستغاثة.
لا أحد يريد أن تتحول كل مشكلة محلية إلى قضية ترفع إلى القصر.
المؤسسات المنتخبة والإدارية وجدت أصلا لكي تحل مشاكل المواطنين في مكانها، وبالسرعة التي تقتضيها خطورة المشكل.
ومن هنا، فإن جماعة القنيطرة، باعتبارها صاحبة الاختصاص في تدبير قطاع النظافة والمرافق المرتبطة به وفق الإطار القانوني والتنظيمي المعمول به، مطالبة اليوم بأكثر من مجرد الصمت.
وإذا كانت هناك شركة مفوض لها تدبير المرفق، فإن السؤال يصبح أكثر تحديدا: هل تحترم الالتزامات التعاقدية؟ وهل تتم مراقبة الأداء فعليا؟ وهل توجد جزاءات عند الإخلال؟
وإذا كانت كل الشروط محترمة، فلتعلن النتائج.
وإذا لم تكن محترمة، فلتحدد المسؤوليات.
هذه ليست دعوة إلى التشهير بأحد، ولا إلى إصدار أحكام مسبقة. على العكس، التحقيق هو الذي يفصل بين الشبهة والحقيقة، وبين التقصير والحادث العرضي.
لكن ما لا يجوز هو أن يبقى المواطن في المنطقة الرمادية: يشاهد الدخان، يشم الرائحة، يقلق على أطفاله، ثم لا يجد جوابا رسميا يشرح له ما الذي حدث.
في الديمقراطيات الحديثة، لا تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على إسكات الأسئلة، وإنما بقدرتها على الإجابة عنها.
ولذلك، فإن القنيطرة اليوم لا تحتاج إلى خطابات كثيرة. تحتاج إلى حقيقة. تحتاج إلى مؤسسة تقول للناس: هذا ما وقع. وهذه هي أسبابه. وهذه هي نتائج التحاليل. وهذه هي مسؤولياتنا. وهذه هي الإجراءات التي اتخذناها. وهذه هي الضمانات التي تمنع تكراره.
أما أن تحترق النفايات ثم يحترق معها السؤال، فذلك ما لا ينبغي أن يصبح قاعدة.
القنيطرة مدينة كبيرة، وسكانها ليسوا مجرد منتجين للنفايات ومستهلكين للخدمات. إنهم مواطنون لهم حق أصيل في بيئة سليمة وفي معلومة دقيقة وفي تدبير عمومي شفاف.
والهواء، في النهاية، لا يعرف الانتخابات، ولا الأحزاب، ولا التحالفات، ولا المجاملات.
الهواء يدخل رئة الجميع. ولهذا فإن ملف مطرح أولاد برجال لا ينبغي أن يغلق بانطفاء النار. بل ينبغي أن يبدأ التحقيق بعد انطفائها. فالنار تطفئها سيارات الإطفاء. أما الأسئلة التي خلفتها، فلا يطفئها إلا الجواب والمحاسبة والشفافية.
وهنا، كما في كل مرة، يبقى آخر الكلام: من يراقب من؟
