مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
عشنا لحظاتٍ مفعمة بالفخر والاعتزاز وبلادنا تستعرض قدراتها التنظيمية في استضافة كأس إفريقيا، حيث تعالت أصوات الإشادة بالملاعب الحديثة والبنية التحتية المتطورة التي تعكس وجه المغرب الصاعد. لكن، ومع أول غيثٍ جاد به المنخفض الجوي، انقشعت غشاوة التفاؤل لتظهر حقيقة مٌرة؛ فالمساحات الخضراء والمنشآت الكبرى لم تحجب مشهد الغرق الذي طال مناطق واسعة، حيث كشفت الأمطار الغزيرة هشاشة الواقع في مواجهة الطبيعة، ما أدى إلى انجرافات في التربة، وانهيار مساكن، وعزلة دواوير بأكملها.
إن هذا المشهد يضع “العدالة المجالية” على المحك. فرغم وجود خطط وطنية طموحة تهدف إلى تقليص الفوارق، إلا أن الكثير منها لا يزال حبيس الرفوف أو متعثراً في مراحل التخطيط. هذا التأخر في التنفيذ يجعل المناطق الفقيرة والهشة في مواجهة مباشرة مع خطر الفيضانات، ويبرز فجوة عميقة بين السياسات المُعلنة والواقع المعيش، مما يستوجب تسريع وتيرة المشاريع المرتبطة بنظم تصريف المياه وبرامج الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، نستحضر بعمق مضامين خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى عيد العرش السادسة والعشرين، حين أكد بصريح العبارة أن التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية لا جدوى منها إذا لم تنعكس بشكل مباشر على ظروف عيش المواطنين. إن دعوة جلالته للقطع مع “مغرب بسرعتين” وتحقيق تنزيل فعلي للجهوية المتقدمة، هي في جوهرها دعوة لإنصاف القرى والدواوير التي لا تزال تعيش عزلة قاتلة كلما ساءت أحوال الطقس.
إن ما شهدته مدن وأقاليم مثل سيدي سليمان، القصر الكبير، تطوان، الفنيدق، سيدي قاسم، الحسيمة، وشفشاون، من فيضانات متكررة، يعري واقع انسداد المجاري وتهالك القناطر. هذا التفاوت بين الحواضر الكبرى والمناطق القروية في القدرة على الصمود أمام الكوارث ليس إلا تجسيداً لعدم المساواة في توزيع الموارد والخدمات.
وعندما تغيب العدالة المجالية، يتفاقم الظلم الاجتماعي؛ فالفئات الهشة من أسر فقيرة ومسنين وأطفال هم أول من يدفع الثمن من ممتلكاتهم وأمانهم واستقرارهم. ورغم أن قيم “التضامن الشعبي” التي يتميز بها المغاربة وجهود السلطات في الإغاثة تخفف من حدة الأزمة، إلا أن الحل الجذري يكمن في “الاستباقية” لا في “الاستجابة” فقط.
إن الفيضانات ليست مجرد حدث طبيعي قاهر، بل هي اختبار لمدى التزامنا بمبادئ المواطنة والإنصاف. فتحقيق التخطيط العمراني المستدام وتوزيع الموارد بشكل متوازن بين الجهات هو السبيل الوحيد لبناء مغرب قادر على الصمود.
ونختم بالتساؤل المحوري الذي يفرض نفسه: إلى متى ستظل استراتيجيات العدالة المجالية والاجتماعية حبراً على ورق؟ وهل ننتظر كارثة أخرى لندرك أن حماية المناطق الهشة هي حماية لكرامة الوطن بأسره؟
