مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم يكن مشهد جرف الملحة، يوم الجمعة 4 شتنبر 2026، مجرد لقاء سياسي عابر لحزب التجمع الوطني للأحرار. فقد كان واضحا أن الحزب أراد تحويل المنطقة إلى منصة انتخابية لاستعراض القوة الجماهيرية، في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ومن بين الصور التي تستحق التوقف عندها، حضور رئيس الغرفة الفلاحية لجهة الرباط–سلا–القنيطرة، محمد البويحياوي، إلى جانب عزيز أخنوش، وسط حشد من الفلاحين والجماهير. هنا تحديدا تبدأ الأسئلة، لا الاتهامات.
فالغرفة الفلاحية مؤسسة مهنية منتخبة، يفترض أن تكون في خدمة الفلاحين والدفاع عن مصالحهم، لا أن تتحول إلى ملحق انتخابي لأي حزب سياسي، أيا كان هذا الحزب وأيا كان رئيسه.
وإذا كان حضور رئيس الغرفة في نشاط حزبي يدخل، من حيث المبدأ، ضمن حقه الشخصي في ممارسة العمل السياسي، فإن السؤال يصبح مشروعا عندما يتعلق الأمر بتعبئة الفلاحين أو تسخير الإمكانات أو العلاقات أو الموارد المرتبطة بمؤسسة مهنية عمومية لخدمة نشاط انتخابي حزبي.
فأين تنتهي الصفة الشخصية لرئيس الغرفة، وأين تبدأ الصفة المؤسساتية؟
وهل كان الحضور الفلاحي في جرف الملحة تعبيرا تلقائيا عن انخراط المواطنين في لقاء حزبي، أم أن هناك تعبئة منظمة للفلاحين بواسطة شبكات الغرفة وممثليها؟ ومن تحمل تكاليف التنقل والتنظيم واللوجستيك، إن وجدت؟ وهل استعملت في ذلك إمكانات مادية أو بشرية مرتبطة بالغرفة؟
هذه ليست أسئلة للتشهير بأحد، وإنما أسئلة تفرضها طبيعة المؤسسة ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالغرفة الفلاحية نفسها تعلن رسميا عن برامج لدعم التنظيمات المهنية الفلاحية بالمعدات والآليات، كما تنشر لوائح المستفيدين من بعض برامج الدعم.
ومن هنا، فإن الرأي العام الفلاحي من حقه أن يعرف كيف تدار هذه الموارد، وفق أي معايير، ومن يستفيد منها، وكيف تتخذ القرارات، وهل توجد آليات واضحة تمنع تداخل العمل المؤسساتي بالعمل الحزبي والانتخابي.
من يمثل الفلاح: المؤسسة أم الحزب؟ المفارقة أن الفلاح المغربي لا يحتاج إلى هتافات انتخابية بقدر ما يحتاج إلى حلول حقيقية. يحتاج إلى ماء، وإلى حماية من تقلبات السوق، وإلى أسعار عادلة لمنتجاته، وإلى مدخلات فلاحية بأسعار معقولة، وإلى حماية اجتماعية حقيقية، وإلى مواجهة آثار الجفاف والإجهاد المائي، وإلى أسواق منظمة، وإلى تقليص الفوارق بين المنتج والمستهلك.
والغرفة الفلاحية، قبل أن تكون فضاء للصور والبروتوكول والهتافات، يفترض أن تكون صوت هؤلاء الفلاحين.
أما أن تتحول الجموع الفلاحية إلى خلفية بشرية لمهرجان انتخابي، فذلك يطرح سؤالا أكبر: هل نحن أمام مؤسسة مهنية تمارس اختصاصاتها، أم أمام توظيف سياسي للواجهة المؤسساتية؟
والأخطر من ذلك أن صورة المسؤول المؤسساتي وهو يركض خلف الزعيم السياسي، أو يظهر في مشهد احتفالي مبالغ فيه، قد تعطي انطباعا بأن العلاقة بين المؤسسة والحزب أصبحت ملتبسة إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما.
السياسة شيء، والمؤسسات شيء آخر. والدولة الحديثة لا تبنى على الأشخاص، وإنما على المؤسسات.
أما عزيز أخنوش، فإن عودته إلى جرف الملحة في هذا التوقيت الانتخابي ليست حدثا سياسيا عاديا.
فالحزب نفسه قدم اللقاء باعتباره محطة للتواصل مع المواطنين واستعراض حصيلة العمل الحكومي والالتزامات المقبلة، فيما أعلن رئيس الحزب محمد شوكي عن تعهدات جديدة، من بينها رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم.
غير أن الانتخابات ليست مناسبة لتقديم الوعود فقط؛ إنها قبل ذلك مناسبة لمساءلة الحصيلة.
وإذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار يريد من المغاربة أن يجددوا ثقتهم فيه، فإن السؤال البسيط الذي ينبغي أن يطرح نفسه هو:
ماذا تغير في حياة المواطن خلال الولاية الحكومية؟ ماذا عن القدرة الشرائية؟ ماذا عن أسعار المواد الأساسية؟ ماذا عن كلفة المعيشة؟ ماذا عن البطالة؟ ماذا عن أزمة السكن؟ ماذا عن الصحة والتعليم؟ ماذا عن الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ وماذا عن الفلاح الصغير الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان بين ارتفاع كلفة الإنتاج وضغط السوق وتقلبات المناخ؟
إن إعلان وعود جديدة لا يلغي ضرورة تقديم كشف حساب عن الوعود السابقة.
فالانتخابات ليست مهرجانا للهتاف، وإنما لحظة سياسية لمحاسبة المسؤولين على ما أنجزوه وما أخفقوا فيه. من يحاسب الغرفة الفلاحية؟
ولذلك، فإن مطلب افتحاص وتدقيق مالي وإداري مستقل لتدبير الغرفة الفلاحية لجهة الرباط–سلا–القنيطرة ليس مطلبا موجها ضد شخص بعينه، ولا ينبغي أن يفهم باعتباره حكما مسبقا على وجود اختلالات. بل العكس تماما.
الافتحاص هو الذي يبرئ الذمة إن كان التدبير سليما، وهو الذي يكشف الاختلالات إن وجدت.
ولهذا، فإن الجهات المختصة مطالبة، من باب الشفافية وحماية المال والموارد العمومية، بالنظر في كل ما يثار حول تدبير موارد الغرفة، وبرامج الدعم، والصفقات والمصاريف، والتنقلات والأنشطة، ومعايير الاستفادة من الدعم، ومدى احترام قواعد الحكامة وتضارب المصالح، وكذلك أي استعمال محتمل للموارد المؤسساتية في أنشطة ذات طبيعة انتخابية.
لا نطالب بإدانة أحد، بل نطالب بأن يتحدث الافتحاص بلغة الأرقام والوثائق.
فإذا كانت الأمور سليمة، فليظهر ذلك للرأي العام. وإذا كانت هناك اختلالات، فلتتحمل كل جهة مسؤوليتها. الفلاح ليس رقما انتخابيا
المشكلة الحقيقية أن بعض السياسيين لا يتذكرون الفلاح إلا عندما تقترب الانتخابات.
وفجأة يصبح الفلاح بطلا في الخطب، وتصبح القرية عنوانا للبرامج، ويصبح المواطن القروي رقما في الحشود الانتخابية.
لكن الفلاح لا يريد أن يكون مجرد رقم في صندوق الاقتراع. يريد سياسة فلاحية عادلة. يريد أن يعرف أين تذهب برامج الدعم. يريد أن يشعر أن المؤسسة التي يفترض أن تمثله موجودة فعلا إلى جانبه.
ويريد أن تكون كرامته ومصلحته فوق الولاءات الحزبية.
أما أن يطلب منه أن يصفق للزعيم السياسي ثم يعود إلى أرضه ليواجه وحده مشاكل الماء والأسعار وكلفة الإنتاج وتسويق المحاصيل، فهذه ليست سياسة فلاحية، وإنما إدارة موسمية للذاكرة الانتخابية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات المهنية هو أن تفقد استقلاليتها الرمزية قبل أن تفقد استقلاليتها القانونية.
وحين يصبح المسؤول المؤسساتي حريصا على إرضاء الزعيم الحزبي أكثر من حرصه على مساءلة المسؤول السياسي، فإن الخلل لا يعود شخصيا، بل يصبح خللا في فلسفة التمثيلية نفسها.
لقد آن الأوان لأن نطرح السؤال بوضوح: هل الغرفة الفلاحية فضاء لخدمة الفلاح، أم منصة لإنتاج الحشود الانتخابية؟
والجواب لا ينبغي أن يكون في البيانات ولا في الصور ولا في الهتافات.
الجواب يجب أن يكون في الوثائق، والحسابات، والافتحاص، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالفلاح المغربي يستحق أكثر من أن يستعمل كديكور انتخابي. ويستحق أكثر من أن يستدعى عند الحاجة إلى ملء الساحات. ويستحق مؤسسة تمثله، لا مؤسسة تبحث عن رضا السياسي.
ذلك هو جوهر الديمقراطية: أن تخدم المؤسسات المواطن، لا أن يتحول المواطن إلى وقود للمؤسسات والحملات الانتخابية.
