مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
محمد التفراوتي
ظلت أعماق البحار، على مدى قرون، بعيدة إلى حد كبير عن متناول الاستغلالالبشري. غير أن تطور تقنيات الصيد دفع الأساطيل البحرية إلى التوسع تدريجيانحو أعماق المياه. وفي البحر المتوسط، يعتمد الصيد في الأعماق أساسا علىالقيمة التجارية المرتفعة لروبيان الأعماق الأحمر (الجمبري الأحمر)، حيث تتركزأنشطة الصيد على المنحدرات القارية على أعماق تتراوح بين 500 و800 مترتقريبا، وهي الأعماق التي ما تزال فيها المصايد ذات جدوى اقتصادية.
وإدراكا لهشاشة النظم البيئية في أعماق البحار منذ عام 2005، اعتمدت الهيئةالعامة لمصايد أسماك البحر المتوسط التابعة للأمم المتحدة (GFCM) حظرا لجرالشباك القاعي على أعماق تتجاوز 1000 متر، مانعة استخدام شباك الجرالقاعي والمعدات المماثلة تحت هذا العمق في البحرين المتوسط والأسود. وفي ذلكالوقت، كان حد الألف متر يعكس إلى حد كبير الحدود التشغيلية للأساطيل التيتستهدف روبيان الاعماق.
غير أن العالم تغير منذ عام 2005. فالأدلة العلمية المتزايدة تشير اليوم إلى أنالمواطن البحرية الهشة تمتد إلى أعماق أقل بكثير من الحد الحالي. ولذلك يرىالعلماء والمنظمات البيئية أن عتبة 1000 متر لم تعد كافية، ويطالبون بخفضهاإلى 800 متر وتعزيز تدابير الحماية وفق نهج احترازي يشمل أعماقا أقل.
واليوم، تجد الدول الأعضاء في الهيئة نفسها أمام خيار حاسم. إما تعزيز حمايةبعض آخر النظم البيئية البحرية التي ما تزال شبه سليمة في المنطقة، أوالمخاطرة بمزيد من تدهور الموائل التي قد تحتاج إلى قرون للتعافي، فقط للسماحلبضع مئات من السفن بمواصلة الصيد في تلك الأعماق. وبالنسبة لدول جنوبالمتوسط على وجه الخصوص، فإن تبني نهج احترازي لحماية أعماق البحار، كمافعلت مصر في أواخر عام 2025، يعد أمرا أساسيا لتحقيق التوازن بين حمايةالبيئة والاستدامة طويلة الأمد للموارد البحرية.
إن النقاش الدائر حاليا داخل الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط لايتعلق فقط بتعديل حد عمق أو بضع مئات من الأمتار. إنه يكشف عن رؤيتينمتنافستين لمستقبل البحر المتوسط المشترك. فهل يمكننا الاستمرار في التعاملمع النظم البيئية البحرية باعتبارها موارد تستنزف حتى النفاد لخدمة عدد محدودمن الشركات والسفن؟
في الأعماق السحيقة، حيث الظلام والبرودة، يكفي مرور عدد قليل من سفن الجرلتغيير نظم بيئية استغرقت قرونا لتتشكل. فالصيد بشباك الجر القاعي قادر علىتدمير موائل هشة تكونت عبر أزمنة جيولوجية طويلة، مخلفا آثارا قد تستمرلأجيال. وتضم هذه الأساطيل سفنا مزودة بمحركات قوية تتراوح قوتها غالبا بين500 وأكثر من 1000 حصان، إضافة إلى معدات جر ثقيلة وتقنيات متطورةللتصوير بالموجات فوق الصوتية ورسم خرائط القاع. وقد تركزت هذه الأساطيلتاريخيا في مدينة مازارا ديل فالو الإيطالية، (Mazara del Vallo) لكنها تنشطأيضا في إسبانيا، خاصة في كاتالونيا، وكذلك في اليونان وتركيا منذ مطلعالألفية الجديدة.
800 متر: عتبة علمية وليست ترفا
يرى العلماء والمنظمات البيئية أن خفض الحد إلى 800 متر سيوفر حماية أفضلللنظم البيئية البحرية الهشة ولمخزونات الأحياء البحرية في الأعماق، ومنهاالروبيان. وفي الواقع، فإن نسبة ضئيلة جدا من أسطول الصيد المتوسطي،تتراوح بين 4 و5 في المائة فقط، أي نحو 400 سفينة من أصل أكثر من 8700 سفينة جر مسجلة، تمتلك القدرة التقنية على العمل بالقرب من عمق 1000 متر،وعدد أقل من ذلك يمارس هذا النشاط بانتظام. وتتركز هذه السفن أساسا فيإيطاليا، تليها إسبانيا واليونان وتركيا، بينما تبقى مساهمة دول أخرى مثلالجزائر محدودة للغاية.
ومن هنا تأتي دعوة العلماء الملحة إلى خفض عتبة الحظر إلى 800 متر علىالأقل. فالقضية تدور حول مستقبل البحر ذاته، في إطار صراع تتجاوز أبعادهالجوانب التقنية البسيطة. ومن شأن هذا الإجراء أن يحمي أكثر من 100 ألفكيلومتر مربع من النظم البيئية العميقة، ويقلل التداخل بين مناطق الصيد والموائلالحساسة، ويحافظ على دور الأعماق البحرية كملاذ مناخي ومخزن طبيعيللكربون. والأهم من ذلك أن الدراسات الميدانية المنجزة في سبع دول متوسطية،من بينها مصر وتونس وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تؤكد أن الأثر الاقتصادي علىالصيادين سيظل محدودا للغاية. بل إن بعض التقارير العلمية توصي بخفضإضافي إلى 600 متر في المناطق الأكثر هشاشة، ولا سيما تلك التي تضمشعابا مرجانية باردة وإسفنجيات بحرية عميقة تتطلب فترات طويلة جدا للتجدد.
صوت الغواصين: شهادة من الأعماق
ويؤكد يونس البغديدي، رئيس جمعية أبطال الفنيدق للصيد تحت الماء وحمايةالبيئة، أن الصيد بشباك الجر القاعي يتسبب في أضرار لا رجعة فيها للموائلالبحرية الغنية بالتنوع البيولوجي. فمن خلال تدمير قاع البحر، يقضي هذاالنشاط على بيئات حساسة تحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي. ويشير إلى أنالغواصين والممارسين الميدانيين يلاحظون يوميا تصاعد الضغوط على النظمالبيئية البحرية، سواء بسبب الصيد المفرط أو التلوث البلاستيكي أو تدهور الموائلالأساسية مثل الشعاب المرجانية ومروج الأعشاب البحرية. ويشدد على أنالحفاظ على هذا التراث يتطلب انتقالا حقيقيا من الاستغلال المفرط إلىالاستدامة، عبر تعزيز المراقبة البيئية ودعم البحث العلمي وإشراك المجتمعاتالساحلية في حكامة تشاركية فعالة. كما يدعو إلى توسيع المناطق البحريةالمحمية وتطبيق القوانين بصرامة، محذرا من أن الاستمرار في الوضع الحاليسيؤدي إلى خسائر لا يمكن تعويضها.
فالمحيط، كما يقول، يمثل نظاما حيا يوفر الرزق لملايين البشر ويحتاج إلى حمايةجماعية عاجلة قبل فوات الأوان. ويضيف: «في الميدان، وبصفتي غواصا، يتجاوزالبحر في نظري كونه سطحا أزرق ليغدو فضاء حيا نابضا يكشف أسراره معكل غوصة.. عندما أنزل إلى الأعماق، أعاين مباشرة كيف تتحول بعض الموائلإلى مناطق كوارث بعد مرور سفن الجر القاعي. تفقد الشعاب المرجانية ألوانهاالزاهية وتتحول إلى هياكل باهتة، وتختفي الأسماك التي كانت تتحرك فيانسجام، تاركة وراءها فراغا خانقا يعكس العنف الصامت لهذا الدمار. هناك، فيصمت الأعماق، يدرك الإنسان أن البحر منظومة حياة مترابطة تتجاوز كونه مورداطبيعيا، وأن أي اضطراب فيها، مهما بدا بسيطا، قد يهدد التوازن البيئي بأكمله.
العلم يتقدم… والسياسة تتردد
وشهدت الاجتماعات الإقليمية للخبراء زخما متزايدا لصالح اعتماد عتبة 800 متر، بدعم من عدد من الدول. غير أن القرار السياسي ما يزال دون مستوىالتوقعات. وهنا تظهر الفجوة التقليدية بين العلم الذي يقدم الأدلة والسياسة التيتوازن بين الكلفة والضغوط الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أوضح فراس الجابري أن ليبيا تدعم وتشجع فرض قيود بيئيةأشد على الصيد البحري لحماية النظم البيئية الحساسة. ومن هذا المنطلق، تؤيدطرابلس توسيع نطاق الحظر من 1000 متر إلى 800 متر، انسجاما معاستراتيجيتها للحفاظ على الموارد البحرية. كما يتوافق هذا التوجه مع القانونالليبي رقم 14 لسنة 1989 بشأن الصيد البحري، الذي يتضمن تدابير تقنيةللحفاظ على الثروة السمكية، منها تحديد الحد الأدنى لفتحات الشباك بأربعةسنتيمترات للحد من صيد الأسماك الصغيرة.
في المقابل، يشير المدافعون عن البيئة إلى أن شمال شرق المحيط الأطلسي يطبقحظرا مماثلا منذ عام 2017، مما يضع البحر المتوسط أمام واقع «تأخرتنظيمي» واضح. ويعكس هذا الوضع نموذجا للحكامة البحرية تتشابك فيهالاعتبارات العلمية مع الحسابات الاقتصادية والسياسية.
قمة الأمم المتحدة للمحيطات في نيس: عندما يصطدم الخطاببالواقع
وخلال قمة المحيطات في مدينة نيس الفرنسية، أعلن الرئيس الفرنسي عزمه تقييدالصيد بشباك الجر القاعي في بعض المناطق البحرية المحمية. غير أن الناشطينوالمنظمات البيئية اعتبروا هذه الإجراءات جزئية وغير كافية، مشيرين إلى أنأجزاء واسعة من تلك المناطق ما تزال مفتوحة أمام أنشطة الصيد المدمرة.
ويجسد هذا الجدل التوتر القائم بين الخطاب البيئي والإجراءات العملية؛ إذتتحول الحماية أحيانا إلى مجرد تصنيف إداري خال من المضمون البيئيالحقيقي، مما يضعف مصداقية السياسات العامة. فحين تعلن الدول عن«مناطق محمية» دون حظر الأنشطة الأكثر تدميرا داخلها، تصبح الحماية شعارافارغا وتفقد السياسة البيئية معناها الفعلي.
أعماق المتوسط: خزانات للحياة والكربون
على أعماق تصل إلى مئات الأمتار وأكثر، يوجد عالم مختلف تماما يضم أسماكقرش الأعماق والشعاب المرجانية البطيئة النمو وكائنات بحرية تمتد دورات حياتهالعقود وربما لقرون. وتعد هذه النظم البيئية من أكثر النظم هشاشة على كوكبالأرض، لكنها تواجه اليوم خطر التدمير بضربة واحدة من شباك الجر القاعي.
كما أن اضطراب الرواسب البحرية يؤدي إلى إطلاق الكربون المخزن فيها، مايضعف دور المحيط في تنظيم المناخ. وبالتالي، تندرج حماية أعماق البحار ضمنأولويات العمل البيئي والمناخي معا. فالمياه العميقة تمثل مواطن حيوية للكائناتالبحرية، وتضطلع في الوقت نفسه بدور أساسي في تخزين الكربون والحفاظعلى التوازن المناخي العالمي
لم يعد البحر المتوسط يحتمل الانتظار
يعد البحر المتوسط واحدا من أكثر البحار هشاشة وسرعة في الاحترار علىمستوى العالم. ولذلك فإن التأجيل يترجم عمليا إلى مواصلة الضغط على نظمبيئية بطيئة التجدد. وما يحتاجه الوضع اليوم هو قرارات حماية ملموسة وقابلةللقياس، تبدأ باعتماد عتبة 800 متر كخطوة أولى، مع التوجه نحو 600 متر فيالمناطق الأكثر حساسية. كما ينبغي تحويل المناطق البحرية المحمية إلى فضاءاتمحمية فعليا من خلال الحظر الكامل للصيد بشباك الجر القاعي، ووضع حدودمكانية واضحة لأساطيل الجر لمنع توسعها نحو الأعماق الأكبر.
ومن الضروري أيضا ملائمة سياسات الصيد مع الأهداف المناخية، لأن حمايةقاع البحر تعني حماية الكربون المخزن فيه. كما أن إدماج البعد الاجتماعي يظلعنصرا أساسيا لضمان ألا تتحول السياسات البيئية إلى عبئ غير عادل علىالمجتمعات الساحلية. فالصيد التقليدي والحرفي يجب أن يكون جزءا من الحلعبر برامج إقليمية تدعم سبل العيش المحلية.
بين العلم والسياسة: معركة السرديات
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يتقدم رسميا بمقترح لاعتماد حظر عند عمق 800 متر، فإنه دعم داخل الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (GFCM) تعزيز تدابير حماية النظم البيئية العميقة، في وقت يواصل فيه العلماء والمنظماتالبيئية المطالبة بخفض العتبة الحالية البالغة 1000 متر.
إن الخطاب البيئي العالمي يواجه اليوم أزمة مصداقية حقيقية. فبينما تتكاثرالقمم والمؤتمرات، تظل الأوضاع في قاع البحر على حالها. والمصداقية تقاس بمايمنع فعليا لا بما يعلن عنه. وهنا يتحدد مستقبل البحر المتوسط: هل سيظل مجالاللاستخراج والاستنزاف حتى آخر متر من أعماقه، أم سيصبح رأسمالا طبيعيامشتركًا يشكل ركيزة للأمن المناخي والغذائي العالمي؟
وفي النهاية، لن تقاس مصداقية الالتزامات بحماية المحيطات بما يقال فيالمؤتمرات الدولية، بل بما ينفذ فعليا تحت سطح البحر.
