مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست الجنائز مجرد مراسم لدفن الموتى أو طقوس لوداع الموتى، بل هي امتحان أخلاقي وثقافي للأحياء.
في لحظة الوداع الأخيرة، تسقط الأقنعة، وتتحدث الأمم عن نفسها أكثر مما تتحدث عن الراحلين. فالجنازة ليست تكريما للميت بقدر ما هي مرآة تعكس صورة المجتمع والدولة وقيمهما الحقيقية.
لحظات في حياة الأمم تختزل حقيقة علاقتها بذاتها، وتكشف مستوى وعيها بتاريخها ورموزها. ليست الانتخابات ولا الاحتفالات الرسمية ولا الخطب الرنانة هي التي تفضح هذه الحقيقة، بل الجنائز. نعم، الجنائز تحديدا. ففي الطريقة التي تودع بها الشعوب والدول مفكريها ومبدعيها وعلماءها، يظهر معدنها الحقيقي، ويقاس مقدار احترامها للعقل والمعرفة. لحظات عابرة في سجل الأحداث اليومية، بل هي في العمق امتحان أخلاقي وثقافي وسياسي للأحياء. ففي اللحظة التي يوارى فيها الجسد الثرى، تنكشف حقيقة المجتمعات أكثر مما تنكشف سيرة الراحلين، وتظهر طبيعة العلاقة التي تربط الأمم بذاكرتها ورموزها ومصادر قوتها الحقيقية.
فالجنازة ليست تكريما للميت بقدر ما هي شهادة على وعي الأحياء.
لهذا لم تكن جنازة الفيلسوف الفرنسي إدغار موران مجرد مراسم رسمية لرجل بلغ من العمر ما بلغ، بل كانت حدثا وطنيا بامتياز. حضرت الدولة الفرنسية بكل رموزها، وشارك رئيس الجمهورية في توديع أحد أبرز العقول التي أنجبتها فرنسا المعاصرة، فيما نقلت وسائل الإعلام الحدث إلى العالم باعتباره لحظة من لحظات الوفاء لذاكرة فكرية صنعت جزءا من هوية الأمة الفرنسية.
لم تكن فرنسا تودع شخصا فقط، بل كانت تودع جزءا من صورتها عن نفسها.
كانت تقول للعالم إن الأفكار العظيمة لا تدفن، وإن المفكرين ليسوا مجرد أفراد مروا في التاريخ، بل هم أحد أعمدة القوة الرمزية للدولة ومصدر من مصادر نفوذها الحضاري.
لقد فهمت فرنسا ما فهمته الأمم الكبرى عبر التاريخ: أن المفكر ليس موظفا في المعرفة، بل صانع معنى، ومهندسا للوعي الجماعي، وفاعلا في تشكيل المستقبل بقدر ما يساهم السياسي في إدارة الحاضر.
وفي الجهة الأخرى من المتوسط، يعود إلى الذاكرة مشهد مختلف تماما، مشهد جنازة المفكر المغربي المهدي المنجرة.
ذلك الرجل الذي سبق زمنه بسنوات طويلة، وقرأ تحولات النظام العالمي قبل وقوعها، وتحدث عن صدام القيم وهيمنة الثقافة والعولمة قبل أن تصبح هذه المفاهيم موضوعا مركزيا في الدراسات الدولية. مفكر حاضر في الجامعات العالمية ومراكز البحث الكبرى، ومثقف ارتبط اسمه بالاستشراف الاستراتيجي والدفاع عن الكرامة الحضارية للشعوب.
ومع ذلك، رحل في صمت يكاد يكون جارحا.
لم تتحول جنازته إلى لحظة وطنية جامعة. لم تسخر الرمزية الرسمية لتوديع أحد أكبر العقول المغربية في العصر الحديث. وكأن الوطن الذي شغل فكره لعقود طويلة لم يجد الوقت الكافي ليحمل نعشه بالقدر الذي يليق بمكانته.
هنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة بين شخصين، ولا بالمفاضلة بين تجربتين مختلفتين في السياق والتاريخ. فإدغار موران والمهدي المنجرة اسمان ينتميان إلى فضاءين مختلفين، لكن المقارنة الحقيقية هي بين ثقافتين في النظر إلى المعرفة، وبين رؤيتين لمكانة العقل داخل المشروع الوطني.
يقول الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت: “الأمة التي لا تنصت إلى مفكريها محكوم عليها بأن تسمع صدى أخطائها إلى الأبد”.
ولعل هذه العبارة تختزل جانبا كبيرا من المأزق الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية. فنحن كثيرا ما نحتفي بأصحاب السلطة أكثر مما نحتفي بأصحاب الرؤية، ونصفق لأصحاب النفوذ أكثر مما نصغي إلى صناع الوعي.
وحين يموت المفكر، نكتشف فجأة أنه كان كبيرا.
نكتب كلمات الرثاء.
ننشر الصور.
نتبادل عبارات الإعجاب.
ثم نعود بسرعة إلى ممارسة النسيان وكأن شيئا لم يكن.
المفارقة المؤلمة أن الدول المتقدمة لا تكرم مفكريها لأنهم متفقون معها دائما، بل لأنها تدرك أن قيمة المفكر تكمن تحديدا في قدرته على النقد والاختلاف وطرح الأسئلة الصعبة. أما في كثير من بلداننا، فما زال المثقف الناقد ينظر إليه باعتباره مصدر إزعاج أكثر من كونه مصدر إلهام.
لقد قال جان بول سارتر إن “المثقف هو من يتدخل فيما لا يعنيه”. وهي عبارة تختصر جوهر الدور الحقيقي للمفكر؛ ذلك الذي يرفض الوقوف متفرجا على قضايا مجتمعه، ويتحول إلى ضمير يقظ يزعج السائد ويوقظ الأسئلة المؤجلة.
ولهذا ربما لا يغفر للمفكر أنه يفكر خارج الحدود المرسومة له.
التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن البشرية كثيرا ما أخطأت في حق عظمائها. سقراط أُعدم، وغاليليو حوكم، وابن رشد نفي وأحرقت بعض كتبه، والمتنبي عاش مطاردا، وفان غوخ مات فقيرا قبل أن يتحول إلى أيقونة عالمية.
لكن الفرق أن الأمم الحية تمتلك شجاعة مراجعة أخطائها، وتعترف لاحقا بقيمة من ظلمتهم.
أما الخطر الحقيقي، فهو أن يتحول التهميش إلى ثقافة دائمة، وأن يصبح النسيان سياسة غير معلنة في التعامل مع أصحاب الفكر.
لقد كتب الروائي التشيكي ميلان كونديرا أن “صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان”. والحقيقة أن معركة المفكر العربي لم تكن يوما مع الموت بقدر ما كانت مع النسيان.
النسيان الذي يبدأ في حياته حين يهمش، ويستمر بعد رحيله حين يختزل في خبر عابر أو صورة باهتة في أرشيف الصحف.
إن المؤلم في المقارنة بين جنازتي إدغار موران والمهدي المنجرة ليس عدد الحاضرين ولا مستوى التغطية الإعلامية، بل الرسالة الرمزية التي حملها كل مشهد.
في باريس، بدا الأمر وكأن الدولة تقول: “هذا أحد الذين صنعوا مجدنا الفكري”.
وفي المقابل، بدا الصمت الذي أحاط برحيل المنجرة وكأنه إعلان غير مباشر بأن الفكر ما يزال في مرتبة ثانوية ضمن سلم الأولويات.
غير أن الحقيقة الأعمق هي أن المفكرين لا يموتون يوم دفنهم، بل يوم تتوقف مجتمعاتهم عن قراءة أفكارهم.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا حظي إدغار موران بجنازة تليق بمكانته، ولماذا لم يحظ المهدي المنجرة بالمشهد نفسه.
السؤال الأهم هو: ماذا تقول هذه المفارقة عن علاقتنا نحن بالمعرفة؟
ماذا تقول عن موقع المثقف في وجداننا الجماعي؟
وماذا تقول عن مستقبل أمة ما تزال تحتفي بأصحاب القوة أكثر مما تحتفي بصناع الوعي؟
يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل إن الأمم تبنى على المدى الطويل بالأفكار أكثر مما تبنى بالأحداث. فالطرق والجسور والمباني تشيد خلال سنوات، أما الحضارات فتبنى عبر أجيال من المفكرين والعلماء والمبدعين الذين يمنحون المجتمع رؤيته لذاته ولمستقبله.
لقد سقطت إمبراطوريات عظيمة واختفت دول كانت تملأ الدنيا قوة وجبروتا، لكن أسماء أفلاطون وابن خلدون وابن رشد والمتنبي وطه حسين بقيت حية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
فالسلطة زمنية.
أما الفكر فزمنه أطول من عمر الدول نفسها.
ولهذا فإن تكريم المفكر بعد رحيله ليس مجاملة بروتوكولية، ولا فعلا شكليا، بل إعلان حضاري بأن المعرفة ما تزال في قلب المشروع الوطني، وأن الأمة تعترف بمن صنعوا وعيها مثلما تعترف بمن أداروا شؤونها.
ففي النهاية، ليست المأساة أن يموت المفكر.
المأساة الحقيقية أن تموت معه القدرة على تقدير الفكر.
وحين يحدث ذلك، لا يكون الراحل هو الخاسر الأكبر، بل تكون الأمة نفسها قد بدأت، دون أن تشعر، السير نحو جنازتها الرمزية الخاصة.
فبعض العقول تموت مرة واحدة بين أيدي المشيعين.
أما بعض الأمم، فإنها تموت بصمت كلما أهملت عقولها.
