Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

مافيا الأضاحي تعمل علناً.. والدولة تتفرج.. هل حقا نحن مسلمون ؟؟

بقلم/محمد_سعيد_الأندلسي

الأعياد في تاريخ الشعوب لم تكن مجرد طقوس دينية تتكرر كإيقاع آلي، بل كانت لحظات أخلاقية تعيد للإنسان إنسانيته. مناسبة لتخفيف الأعباء، وإعادة التوازن الاجتماعي، ومد اليد إلى الضعيف، والتذكير بأن الإنسان لا يعيش وحده. عندما نتأمل أعياد الأمم المختلفة، نجد أن القاسم المشترك بينها ليس الطقوس، بل الرحمة. عند المسيحيين تحضر المحبة والعطاء ولمّ الشمل ومساعدة المحتاج. وعند اليهود نجد الأسرة والتكافل والذاكرة الجماعية. في الفلسفات البوذية تحضر الرحمة وعدم الإيذاء واحترام الحياة. وحتى في الثقافات التي تمنح للطبيعة مكانة روحية، نجد فكرة تقليل المعاناة والبحث عن الانسجام. قد تختلف العقائد، لكن الرسالة الإنسانية بقيت واحدة: الأعياد وُجدت ليشعر الإنسان بالأمان لا بالخوف، وبالقرب لا بالعزلة، وبالكرامة لا بالضغط. لكن عندما نعود إلى واقعنا ونتحدث عن المغرب، نجد سؤالاً فلسفياً مؤلماً: لماذا يتحول العيد عند الفقير إلى موسم قلق بدل أن يكون موسماً للفرح؟

مع اقتراب عيد الأضحى لا يبدأ الاستعداد الروحي فقط، بل تبدأ السوق والمضاربة والحسابات، ويبدأ الخوف داخل البيوت البسيطة. فجأة يتحول العيد من شعيرة إلى عبئ. الأضحية ترتفع في الثمن، والأسعار تتحرك، والمواطن البسيط يصبح أمام معادلة قاسية بين قدرته المحدودة وضغط المجتمع. لكن الأزمة ليست في الغلاء وحده، بل في العقلية التي أصبحت ترى في كل مناسبة فرصة للاستغلال. كل واحد يبحث عن فرصته. هناك من يشتري الأضحية صباحاً من السوق، ثم يعيد بيعها في السوق نفسه وفي الساعة نفسها، ويضيف ألف درهم أو أكثر دون تعب أو إنتاج أو قيمة مضافة، فقط لأن هناك من هو مضطر للشراء. هناك من يحتكر الماشية وينتظر ارتفاع الأسعار. هناك من يدخل السوق بمنطق الربح السريع. هناك من يرى في المناسبة باباً للمكاسب لا باباً للرحمة. حتى القطاعات الأخرى تدخل المنطق نفسه؛ النقل يرتفع، الخدمات ترتفع، بعض المواد ترتفع، وكأن الجميع اتفق على قاعدة واحدة: الموسم فرصة. لكن فرصة لمن؟ على حساب من؟ على حساب العامل البسيط، والأرملة، وصاحب الدخل المحدود، والأسرة التي تحسب كل درهم. هناك من يستدين. هناك من يبيع أثاث بيته. هناك من يؤجل ضروريات الحياة. هناك من يدخل في ضيق مالي فقط حتى لا يشعر أبناؤه بالنقص أو خوفاً من نظرة المجتمع.

وهنا يضيع السؤال الحقيقي: هل الشعيرة جاءت لتكسر الإنسان أم لترفع عنه الحرج؟.

نصل إلى مستوى آخر أكثر حساسية؛ استغلال الفقر نفسه. مع اقتراب العيد تظهر حملات جمع التبرعات وشراء الأضاحي وتوزيع المساعدات. هذا في أصله عمل نبيل ومحترم، لكن جزءاً منه فقد روحه. الكاميرات أصبحت حاضرة أكثر من المحتاج. الصورة أصبحت أهم من الفعل. المشهد أصبح أهم من الإنسان. بعض الجمعيات تجمع التبرعات ثم تتحول عملية التوزيع إلى عرض؛ تصوير المحتاجين، نشر الوجوه، صناعة المحتوى، وكأن قيمة المساعدة أصبحت في عدد الصور والمشاهدات. السؤال الذي يجب أن يُطرح: هل هذا هو الإسلام؟ الإسلام الذي تحدث عن ستر الفقير؟ الإسلام الذي جعل الصدقة سراً بين الإنسان وربه؟ الإسلام الذي حفظ الكرامة قبل كل شيء؟ الفقير ليس وسيلة للإشهار. المحتاج ليس مادة إعلامية. الإحسان ليس منصة للظهور. الأخطر أن بعض الجمعيات تنشغل بالسهرات والأنشطة الاحتفالية والأعراس الجماعية والظهور أمام الكاميرات أكثر من انشغالها بواقع الأسر التي لا تجد ما تأكله. وهنا تصبح المشكلة أعمق من الاقتصاد؛ تصبح أزمة قيم. المجتمع الذي يحول العيد إلى سوق، والمحتاج إلى صورة، والشعيرة إلى ضغط اجتماعي، هو مجتمع فقد جزءاً من المعنى.

يأتي سؤال المسؤولية: أين الرقابة على المضاربة؟ أين أثر الدعم الموجه للفلاح؟ هل وصل فعلاً وانعكس على المواطن؟ أم أن الحلقة الأضعف بقيت دائماً هي من تدفع الثمن؟ كل عام ونحن نسمع وعوداً رسمية بمراقبة الأسواق وضبط الأسعار وكسر الاحتكار. وكل عام نكتشف أن الوعود كانت مجرد استهلاك للوقت، والفقير يدفع الثمن. أين لجان المراقبة؟ هل تم حلها؟ أم أن أعضاءها مشغولون بشراء أضاحيهم بأنفسهم قبل أن ترتفع الأسعار؟ الحقيقة المرّة: بعض المسؤولين شركاء في الاستغلال. عندما يسمحون بفتح الأسواق الأسبوعية دون رقابة، وعندما يتغاضون عن بيع الماشية المدعومة في السوق السوداء، وعندما تصل تقاريرهم إلى الوزارة فترد بـ”سيتم النظر”، فإنهم يوقّعون بصمتهم على معاناة آلاف الأسر. أين الرقابة على الجمعيات؟ لماذا لا تُحاسب جمعية واحدة على استغلالها للمحتاجين إعلامياً؟ لماذا لا يتم إيقاف جمعيات حولت الألم إلى “محتوى” والدموع إلى “مشاهدات”؟ المسؤول الصامت أمام الاستغلال هو شريك فيه. والوزير الذي لا يتحرك أمام الاحتكار هو سارق بالنيابة. من يحمي الفقير من “أباطرة الأضاحي”؟ قبل أن نناقش فشل المسؤولين، لنواجه الحقيقة: في كل عيد، يُنهب الفقير علناً وتحت مرأى الجميع. هناك من يدخل السوق صباحاً بلا رأس مال، ويخرجه مساءً وقد جمع أرباح شهر كامل، فقط لأنه استغل حاجة الناس وخوفهم من نظرة المجتمع. هذه ليست تجارة، بل قرصنة منظّمة باسم العيد. لماذا لا نرى أي مسؤول يُسأل عن ارتفاع الأسعار؟ لماذا لا تتم محاكمة محتكري الماشية؟ لماذا لا يتم إغلاق الأسواق الموازية التي تعمل كـ”مافيا الأضاحي”؟.

كان يفترض أن يكون المسلم مختلفاً. كان يفترض أن يكون أول من يخفف عن أخيه لا أول من يربح من حاجته. كان يفترض أن يخاف من كسر الفقير أكثر من خوفه من خسارة المال. كان يفترض أن يكون العيد مناسبة لخفض الأعباء لا لرفعها. المسلم الحقيقي ليس من يشتري أغلى أضحية ويترك جاره محتاجاً. وليس من يرفع السعر لأنه قادر. وليس من يحول الإحسان إلى صورة. المسلم كما أراده الإسلام هو من يرى الإنسان قبل المصلحة، والرحمة قبل الربح، والكرامة قبل الظهور. كان يجب أن تكون الأعياد عند المسلمين النموذج الأجمل في التضامن والرحمة والعدالة الاجتماعية. كان يفترض أن يفرح الفقير أولاً. وكان يفترض أن يشعر المحتاج بالأمان لا بالخوف.

لكن حين يصبح اقتراب العيد مصدر قلق لآلاف الأسر، وحين تتحول المناسبة إلى موسم للاستغلال، يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا بصدق: هل ما زلنا نعيش روح العيد؟ أم أننا نعيش شكله فقط؟ هل العيد عندنا فرحة للجميع أم كابوس للفقراء؟ هل سنظل نكرر كل عام نفس المشاهد: وعود حكومية بلا أفعال، وتبرعات بلا كرامة، وأضاحٍ بلا رحمة؟ ربما آن الأوان لنعيد للعيد معناه. ربما آن الأوان لنرفع الصوت في وجه المستغلين والاحتكار والجمعيات التي تحول الفقر إلى سلعة. وربما آن الأوان لنسأل المسؤولين بجرأة: لماذا لا يُعاقب محتكر واحد؟ لماذا لا تُغلق سوق واحدة تمارس الابتزاز؟ لماذا لا تُحاسب جمعية واحدة استغلت الفقراء؟ حتى نجيب عن هذه الأسئلة، سيظل العيد عند الملايين مجرد موسم حزن تحت قناع الفرح. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...