Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

دنيا بطمة في “الداوي فيا”… فنانة خرجت من الحريق وهي تحمل صوتها فقط

في حياة الفنان لحظاتٌ لا يعود فيها الغناء ترفاً، ولا وسيلةً للظهور، وإنما يتحول إلى نجاةٍ شخصية، إلى محاولة أخيرة لترميم ما تهشّم في الداخل. ومن هذه العتبة تحديداً، تبدو دنيا بطمة وهي تُطلّ على جمهورها في “الداوي فيا”، لا كفنانة تُصدر أغنية جديدة، بل كامرأة تُعيد جمع شتات روحها بصوتها.

منذ اللحظة الأولى، يشعر المستمع أن العمل لا يتحرك داخل المساحة التقليدية للأغنية العاطفية، بل داخل منطقة أكثر عتمة وصدقاً؛ منطقة الإنسان حين يُخذل، وحين يكتشف متأخراً أن أكثر الجراح إيلاماً ليست تلك التي يصنعها الأعداء، بل تلك التي تأتي من الأيدي التي صافحناها مطمئنين.

لهذا جاءت “الداوي فيا” مثقلة بإحساس امرأة دفعت أثماناً باهظة خارج الفن وداخله، امرأة وجدت نفسها في مواجهة عاصفةٍ لم تترك لها سوى صوتها، فاحتمت به. كانت تُغني وكأنها تُخرج الكلمات من مواضع قديمة في القلب، من أماكن تراكم فيها الخذلان والتعب والخذل المتكرر، حتى بدا العمل كله أقرب إلى مناجاة داخلية طويلة أكثر منه مجرد أغنية معدّة للاستهلاك الفني.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يمنح هذا العمل قوته ليس الحزن، وإنما الكرامة التي تسكنه.
فدنيا بطمة لم تدخل الأغنية بثوب المنكسرة، ولم تُشيّد خطاباً يستجدي التعاطف، بل ظهرت كامرأة تعرف أن السقوط العلني يُعلّم الإنسان كيف ينهض وحده، وكيف يعيد ترتيب نفسه بعيداً عن ضجيج العالم. ولهذا كان حديثها عن أمها وأخواتها ووالدها أشبه باعتراف ضمني بأن الإنسان، مهما اشتدّ بريقه أمام الناس، يظل محتاجاً إلى دفء الدائرة الصغيرة التي تُمسكه حين يتهاوى كل شيء.

في “الداوي فيا” أيضاً شيء من مرارة الفنان حين يكتشف أن الشهرة ليست دائماً احتفاءً، بل قد تكون محكمة مفتوحة لا تُغلق أبوابها أبداً. ولهذا تبدو الأغنية كأنها ردّ هادئ على سنوات من القسوة، لا بالصراخ، وإنما بالفن ذاته؛ بالفكرة القديمة التي تقول إن الفنان الحقيقي لا ينتقم بالكلام، بل بالأثر الذي يتركه صوته في الناس.

العمل حمل كلمات محمد أمير، التي جاءت محمّلة بشجن واضح، بينما صاغ صلاح مجاهد لحناً يعرف كيف يترك للحزن مساحته دون أن يُغرق الأغنية في الاستسلام. أما التوزيع والماسترينغ لـمراد المدني، فقد منحا العمل ذلك النفس الدرامي الهادئ، في حين اختار المخرج حسن الكورفتي صورة بصرية تُجاور بين الانكسار والكبرياء، كما لو أنه يُصوّر امرأة تعبر الرماد وهي تحاول ألا تُسقط ما تبقى من نورها.

وربما هنا تكمن خصوصية “الداوي فيا”.
فالأغنية لا تُشبه عودة فنية عادية، وإنما تُشبه مصالحة متأخرة بين امرأة ونفسها؛ امرأة أدركت، بعد كل ما مرّ بها، أن بعض البشر ينجون لأنهم يملكون شيئاً لا يستطيع العالم مصادرته منهم… صوتهم الحقيقي.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...