مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أكد أوغست كونت، الذي يُعد أول من نحت مصطلح “السوسيولوجيا”، أنها علم المجتمع. وفي السياق نفسه، عمل إميل دوركايم على تأسيسها كعلم له كيانه المعرفي المستقل داخل الجامعة.
استطاعت السوسيولوجيا أن تخترق الواقع الخارجي بفضل ترسيخها لآليات البحث وتخصّصها في الدراسات السوسيولوجية التجريبية. وإذا كانت السوسيولوجيا وليدة الحداثة، فقد جاءت لاستكمال المشروع العقلاني لعصر الأنوار، الذي اعتبرها فلاسفته علمًا يكشف الأسرار الكامنة وراء اشتغال المجتمع.
وقد استطاع هذا العلم، عبر العديد من مفكريه وعلمائه، إنشاء مدارس تاريخية شكّلت ثورة معرفية وساهمت في تطوره، كمدرسة شيكاغو ومدرسة فرانكفورت. حيث حاولت مختلف الدراسات التي قاموا بها التأكيد على أن السوسيولوجيا هي دراسة الفعل الاجتماعي ومجالاته التي ينتجها الفرد أو مجموعة من الأفراد، وأنها علم يسعى بشكل علمي إلى مواكبة السياسات الاجتماعية والعمل الاجتماعي، ويحاول تقديم بدائل علمية للمشكلات الاجتماعية المعقدة التي تعتري المجتمعات، كالنسيج العمراني والهجرة والانحراف والفقر.
مما سبق، نستنتج أنه بالرجوع إلى مختلف المدارس بشتى أصنافها وتلاوينها الأوروبية والعربية ومفكريها، نجد أن المنبع الأساسي للسوسيولوجيا هو الثقافة الشعبية المجتمعية، فهي تُعد مرآة ومفتاحًا لفهم التنوع داخل المجتمعات. كما أنها تساهم بشكل فاعل في تشكيل الهوية الاجتماعية وتوجيه السلوك الجمعي. وكل هذا يلعب دورًا أساسيًا في تحقيق التماسك المجتمعي وتعزيز الانتماء لدى الأفراد. ويتعلق الأمر بالمعتقدات والعادات والتقاليد التي تنتقل عبر الأجيال من خلال التعليم والتنشئة الاجتماعية، وتحدد طريقة تفكير الأفراد وتعاملهم مع الآخرين.
وتلعب الثقافة الشعبية دورًا مهمًا في إنتاج العديد من القيم والعادات والمعتقدات الإيجابية، مثل احترام الكبير والتواضع والكرم والولاء للوطن.
ونجد العديد من علماء السوسيولوجيا الذين استطاعوا أن يصفوا قيم المجتمع وثقافته الشعبية، مثل بيير بورديو الذي وصفهم بـ”أصحاب الذوق الشعبي”، وأكد أن لهم خصائص تميزهم كالتضامن والعلاقات المتينة والكرم والبساطة. وأنتوني غيدنز الذي وصفهم بـ”أصحاب الحكمة العملية” أو الحس السليم، الذين يعرفون كيف يدبرون أمورهم بالمتاح، ولديهم فطنة اجتماعية وطرق ناتجة عن الذكاء العاطفي والقدرة على خلق جو نظيف دون تكلف.
ونجد كذلك في السوسيولوجيا العربية من وصفوا حاملي الثقافة الشعبية، أو “أولاد الشعب” أو عامة الناس، بأنهم متضامنون وواقعيون وحاملون لقيم مجتمعية رفيعة. وقد أكد عالم الاجتماع المصري سيد عويس أنهم “خيرة الناس”، ووصفهم الروائي العربي عبد الرحمن منيف بـ”البسطاء الظرفاء الذين تؤخذ الحكمة من أفواههم”.
وبالرجوع إلى ما تداوله الرأي العام الوطني من ردود أفعال حول كلمة “هركاوي” التي أكدها الكوميدي المشهور حسن الفذ، والذي اشتهر بتمثيله لأدوار مجتمعية تعكس سلوكات تنتمي إلى الثقافة الشعبية لـ”أولاد الشعب”، فإن ما تم تداوله حول هذا المفهوم بوصفه مفهومًا سوسيولوجيًا بعيد كل البعد عن السوسيولوجيا وأدوارها العلمية. فالسوسيولوجي، من خلال حسه النقدي، يسعى إلى تقويم السلوك المدني لأنه يعده جزءًا من ظواهر المجتمع الذي يدرسه، لا إلى التهكم على سلوكاته وثقافته وبث رسائل مسمومة والاستهزاء به والترفع عليه.
والفنان مهمته الأساسية هي محاولة بناء قيم مواطناتية فاعلة تحترم تقاليد المجتمع وثقافته، وتحاول قدر الإمكان إبراز مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة في قالب فني رصين.
فالمثقف العضوي هو الذي يعطي قيمة لأبناء وطنه وطبقاته الاجتماعية عبر زرع قيم التماسك المجتمعي واحترام ثقافاته المحلية.
عبد الواحد بلقصري_
_باحث في علم الاجتماع السياسي – جامعة ابن طفيل بالقنيطرة_
