مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم تعد السلطة في المجتمعات الحديثة تفهم فقط كقوة تقمع، بل كقدرة على تنظيم التوتر وإعادة إنتاجه. ضمن هذا الأفق، لا يعود الاحتجاج لحظة قطيعة خالصة، بل يتحول إلى جزء من إيقاع النظام نفسه: يسمح له بالظهور، ثم يعاد احتواؤه ضمن حدود مضبوطة. التاريخ يكرر نفسه ، يتخذ هنا شكلا أدق: ليس تكرارا للحدث، بل استمرارا للبنية التي تستوعب حتى ما يبدو أنه يهددها.
بهذا المعنى، تغدو الهيمنة كقدرة على تحويل الاعتراض إلى عنصر من عناصر الاستقرار، لا نقيضا له. إنه ما يمكن تسميته ب”التسامح القامع”: حيث يتاح الاحتجاج، لكن داخل شروط تضمن ألا يتجاوز أثره سقفا معلوما. هنا، لا يلغى الغضب، بل يعاد تشكيله.
في هذا السياق، يصبح السؤال أقل عن وجود الاحتجاج، وأكثر عن كيفية إدارته: متى يظهر؟ كيف يؤطر؟ وما الذي يسمح له بتغييره فعلا؟ عندها، لا تبدو بعض اللحظات الاحتجاجية خروجا عن النظام، بل لحظات يعيد فيها ترتيب نفسه. ومن هذا المنظور، يكتسب فاتح ماي دلالته بوصفه لحظة تكشف، بقدر ما تخفي، العلاقة الدقيقة بين الغضب وإمكانية احتوائه.
في كل فاتح ماي، لا أرى فقط مسيرات ولا شعارات، بل أرى مسرحا محكما تدار فيه الأدوار بعناية. ليس الأمر لحظة انفجار، بل تمرين دوري على ضبط الإيقاع. كأننا أمام ما وصفه كارل ماركس حين قال: “التاريخ يعيد نفسه، مرة كمأساة ومرة كمهزلة”؛ لا لأن الحدث بلا معنى، بل لأن تكراره يكشف أنه أصبح جزءا من النظام لا تهديدا له.
الغضب حاضر، لا شك في ذلك، لكنه لا يتحرك في الفراغ. يتم التقاطه، تسميته، ثم إدخاله في قنوات جاهزة سلفا. هنا أتذكر قول ميشيل فوكو: “السلطة لا تقمع فقط، بل تنتج أيضا”. ما ينتج هنا هو غضب مهذب، مضبوط الإيقاع، قابل للتفاوض. ليس غضبا يخلخل البنية، بل غضبا يعاد تدويره داخلها.
النقابات، في هذا السياق، لا تبدو مجرد ممثل اجتماعي، بل أقرب إلى جهاز وسيط يعيد تشكيل التوتر. ليست خيانة بالضرورة، بل وظيفة. كما قال أنطونيو غرامشي: “الهيمنة لا تمارس بالقوة وحدها، بل بالقبول أيضا”. وهذا القبول لا يأتي من فراغ، بل من تحويل المطالب إلى صيغ قابلة للهضم داخل النظام القائم.
لهذا نفهم مفارقة واضحة: مؤشرات الاحتقان مرتفعة، لكن الانفجار غائب. ليس لأن الأسباب غير كافية، بل لأن الأزمة تدار لا تترك لتتراكم. يتم تفكيكها إلى ملفات، لجان، جولات حوار. كأننا أمام تقنية دقيقة لتبريد اللحظة قبل أن تبلغ ذروتها. الاستقرار هنا ليس نتيجة رضا، بل نتيجة إدارة محكمة للتوتر.
حتى الإضراب، الذي كان يوما أداة تعطيل حقيقية، أصبح جزءا من هذه الهندسة. محدود في الزمن، مضبوط في الأثر، لا يكسر القواعد بل يتحرك داخلها. أتذكر هنا تحذير روزا لوكسمبورغ: “من لا يتحرك لا يشعر بقيوده”. الإشكال ليس في غياب الحركة، بل في أن الحركة نفسها أصبحت مقيدة بشروط تجعل أثرها محسوبا سلفا.
التحول الأعمق يظهر في الخطاب. لم تعد المطالب تطرح لكسر الممكن، بل لإعادة تعريفه. الزيادة في الأجور تقدم كحل، بينما هي في كثير من الأحيان مجرد ترميم لتآكل مستمر. كأننا أمام ما سماه هربرت ماركوز“التسامح القامع”، حيث يسمح بالاحتجاج، لكن ضمن حدود لا تزعج البنية.
أما التمثيلية، فهي الثغرة الأكثر وضوحا. النقابات ما تزال تتحدث باسم نموذج يتقلص: العامل المستقر داخل قطاع مهيكل. في المقابل، تتوسع هوامش الشغل الهش، غير المرئي، غير المؤطر. هذه الكتلة لا صوت لها في التفاوض، وبالتالي لا تتحول إلى قوة ضغط. هنا، لا يعود السؤال من يتكلم، بل من يستبعد من الكلام أصلا.
فاتح ماي، إذن، ليس فقط لحظة احتجاج، بل لحظة إعادة توازن. عرض سنوي توزع فيه الأدوار: النقابات تظهر قوتها، الدولة تظهر مرونتها، والنتيجة تضبط بعناية. الجميع يخرج بشيء رمزي، لكن القواعد الكبرى تبقى كما هي.
السؤال الحقيقي ليس: هل هناك تقصير؟ بل: هل يمكن الخروج من هذا الدور أصلا؟ لأن كلفة ذلك ليست بسيطة. إنها تعني الاصطدام بالبنية، لا التفاوض داخلها. ولهذا يستمر كل شيء كما هو، ليس لأن أحدا يفرضه بالقوة فقط، بل لأن الجميع يجد نفسه، بدرجة ما، جزءا منه.
ما يثير القلق ليس وجود الغضب، بل قابليته للإدارة. حين يصبح الغضب متوقعا، قابلا للقياس، قابلا للإغلاق في موعده، فإنه يفقد جوهره كقوة تغيير. عندها، لا نكون أمام مجتمع هادئ، بل أمام مجتمع يدار توتره بكفاءة عالية وكأن الهدوء نفسه شكل آخر من أشكال الضبط.
