مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ما كشفته زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، أمام البرلمان، لا يمكن اختزاله في تقرير تقني حول تعثر مشاريع أو اختلال برامج عمومية، بل يرقى إلى تشخيص سياسي عميق لأزمة مزمنة في منطق التخطيط العمومي بالمغرب: أزمة إعلان أكثر مما هي أزمة إنجاز، وأزمة وعود أكثر مما هي أزمة موارد.
فحين تظهر المعطيات الرسمية أن أقل من نصف الاتفاقيات الموقعة أمام أعلى سلطة في البلاد بين سنتي 2008 و2020 رأت طريقها إلى التنفيذ، وأن ما صرف فعليا لا يتجاوز 9 في المائة من الكلفة الإجمالية المعلنة، يصبح السؤال سياسيا ومؤسساتيا بامتياز: ما معنى الالتزام العمومي؟ وما حدود المصداقية في التخطيط؟ وأين تبدأ وتنتهي المسؤولية والمحاسبة؟
الملك الراحل الحسن الثاني كان قد حذر، منذ عقود، من هذا المنزلق حين قال:
“لا قيمة للمخططات مهما كانت طموحة، إذا لم تربط بالوسائل الواقعية، وبالمحاسبة الصارمة على التنفيذ”.
وهو تحذير يستعيد راهنيته اليوم بقوة، في ظل استمرار منطق البرامج “الكبرى” التي تسوق بخطاب طموح، لكنها تصمم دون تقدير دقيق للقدرات المالية والزمنية والتدبيرية، فتظل حبيسة الورق، أو تتحول إلى أوراش ناقصة الروح، محدودة الأثر، لا تغير من واقع الفوارق المجالية إلا في التقارير.
الأخطر، كما تؤكده ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات، أن جزءا مهما من المشاريع المنجزة لم ينجز بروح التنمية، بل بمنطق “الترقيع”: إعادة تأهيل بنيات قائمة بدل توسيع العرض العمومي أو خلق خدمات جديدة في مناطق تعاني أصلا من الهشاشة والعزلة. وهو ما يجعل برامج من قبيل “تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية” بعيدة عن تحقيق جوهرها الحقيقي: العدالة المجالية، لا مجرد تحسين واجهات موجودة.
وفي هذا السياق، يبرز خلل بنيوي آخر طالما نبه إليه الحسن الثاني بقوله:
“الأرقام قد ترضي التقارير، لكنها لا تطعم الفقير ولا تفك العزلة عن القرى”.
فحين يختزل النجاح في نسب صرف الاعتمادات، لا في تحسن شروط عيش المواطن، تتحول التنمية إلى محاسبة محاسباتية باردة، منفصلة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، يبدو الانتقال إلى مقاربة تقيس الأثر الحقيقي، كما دعت إليه زينب العدوي، شرطا أساسيا لأي إصلاح جدي، وهو ما يلتقي مع ما عبر عنه الاقتصادي أمارتيا سن حين أكد أن “التنمية الحقيقية هي توسيع خيارات الناس، لا توسيع الجداول الإحصائية”.
وتكشف اختلالات أخرى، من قبيل ضعف التنسيق بين المتدخلين، وتأخر الدراسات التقنية، وعدم تعبئة العقار، وتفاوت القدرات التدبيرية، عن غياب حكامة استباقية ورؤية مندمجة للتنمية، حيث يشتغل كل فاعل بمنطقه الخاص دون تحمل مسؤولية جماعية عن النتائج. وهي وضعية لخصها الحسن الثاني بدقة حين قال:
“المشكل ليس في قلة الموارد، بل في حسن تدبيرها وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وتبلغ المفارقة ذروتها عندما تنجز منشآت دون تصور مسبق لكيفية استغلالها أو صيانتها، فتتحول مشاريع “مكتملة” على الورق إلى بنايات مغلقة أو مرافق معطلة. هنا لا نتحدث عن فشل في الإنجاز فقط، بل عن فشل في التفكير من الأصل، وعن غياب تصور شمولي يربط الاستثمار العمومي بالاستدامة. وهو ما عبر عنه الملك الراحل بوضوح حين قال:
“كل مشروع لا نعرف كيف سيستغل ولا كيف سيصان، هو مشروع محكوم عليه بالفشل منذ لحظة التفكير فيه”.
إن خلاصات المجلس الأعلى للحسابات، بما تحمله من أرقام صادمة، تضع صانعي القرار أمام اختبار حقيقي: إما القطع مع ثقافة الإعلان والانتقال إلى ثقافة الالتزام القابل للتحقق، أو الاستمرار في إنتاج برامج كبرى بأثر تنموي محدود، تستنزف فيها الثقة قبل الميزانيات. فكما قال الحسن الثاني:
“الدولة التي تعد أكثر مما تنجز، تضعف ثقة المواطن، والثقة إذا اهتزت لا تعوضها الميزانيات”.
في النهاية، ليست التنمية سباق أرقام ولا تمرينا في البلاغة المؤسساتية، بل تعاقدا أخلاقيا مع المواطن. وكل تخطيط لا يترجم إلى أثر ملموس في حياة الناس، يظل مجرد وعد مؤجل بفشل جديد، مهما كانت الأرقام براقة، ومهما بدت التقارير مكتملة.
في العمق، ما تكشفه تقارير المجلس الأعلى للحسابات ليس مجرد اختلالات تقنية قابلة للتصحيح، بل نمط متكرر في التفكير العمومي، يقوم على تضخيم الإعلان، وتجزئة المسؤولية، وتأجيل المحاسبة. وهو نمط سبق أن حذر منه الملك الراحل الحسن الثاني حين أكد أن التنمية لا تقاس بما يعلن، بل بما يغير فعليا من واقع الناس.
الرهان اليوم لم يعد في إطلاق برامج جديدة بأسماء أكثر طموحا، بل في مراجعة جذرية لمنطق التخطيط ذاته: تخطيط يبنى على القدرة لا على الرغبة، وعلى الأثر لا على الصرف، وعلى الالتزام القابل للتتبع لا على الوعود الفضفاضة. فالدولة التي لا تحول الميزانيات إلى تحسين ملموس في حياة المواطن، تراكم فجوة الثقة قبل أن تراكم المشاريع.
إن التنمية، في جوهرها، فعل سياسي وأخلاقي قبل أن تكون عملية حسابية. وكل إصلاح لا يضع المواطن، لا الرقم، في مركز السياسات العمومية، يظل إصلاحا مؤجلا، مهما حسنت نواياه، ومهما ازدانت تقاريره.
