مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
اعداد بدر شاشا
تشكل المفتشية العامة للشؤون القضائية إحدى أهم اللبنات التي يقوم عليها صرح العدالة المغربية الحديثة، حيث ترتبط وظيفتها بروح الشفافية والنزاهة وتتجسد من خلالها مراقبة أداء القضاء وضمان سيره وفق القواعد السليمة. وتظهر أهمية هذا الجهاز حين يتم النظر بعمق إلى طبيعة المسؤوليات الموكولة إليه، إذ لا يتعلق الأمر بمهمة عادية بقدر ما هو إشراف دقيق على واحدة من أكثر المؤسسات حساسية داخل الدولة. فكل مجتمع يسعى لبناء الثقة بين المواطن والعدالة يحتاج إلى جهاز يقف في موقع الوسط، يراقب، يتتبع، ويقوم الاعوجاج إن وجد، حتى تبقى سلطة القضاء محصنة من كل تأثير أو انحراف.
القانون رقم 38.21 المتعلق بالمفتشية العامة للشؤون القضائية وضع إطاراً واضحاً لاختصاصاتها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة في مسار إصلاح العدالة. ومن خلاله تتبين صورة مؤسسة تعمل بصمت ودقة، لا تظهر كثيراً في الواجهة، لكنها تلامس أدق التفاصيل في المحاكم، سواء في الرئاسة أو النيابة العامة، حيث تتعامل مع الملفات المرتبطة بأداء القضاة، الشكايات، التفتيش، التأديب، وتتبع الثروة، وكل ما له علاقة بضمان حياد ونزاهة الجهاز القضائي.
ويتضح من خلال النص القانوني أن التفتيش القضائي المركزي يشكل القلب النابض لعمل المفتشية، لأنه ينطلق من رؤية شاملة لواقع المحاكم داخل المملكة. ويعتمد هذا التفتيش على تقييم الأداء القضائي وفق مؤشرات حقيقية وملموسة، تهدف إلى قياس مدى الفعالية وجودة الخدمات القضائية. كما يركز على تتبع تنفيذ البرامج المتعلقة بتطوير الإدارة القضائية، باعتبار أن جودة القضاء لا تُقاس فقط بالأحكام والقرارات، بل كذلك بطريقة تسيير المحاكم وتنظيمها واستقبال المواطنين ومعالجة الملفات.
ويتجلى البعد الحقيقي للتفتيش المركزي في البحث عن مكامن الخلل التي قد تعيق الرفع من النجاعة القضائية، سواء تعلق الأمر ببنية قضائية تحتاج إلى تحسين، أو ضعف في التدبير الإداري، أو تأخر في الأداء المهني، أو مشاكل تعترض السير العادي للعدالة. وفي هذا السياق يظهر دور المفتشية في اقتراح حلول عملية وإصلاحات واقعية دون ضجيج أو إثارة، إذ يكفي أن تُرفع التقارير إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ليتم اتخاذ ما يلزم من قرارات.
ومن اختصاصات المفتشية العامة أيضاً دراسة الشكايات والتظلمات التي يحيلها عليها الرئيس المنتدب، ما يجعلها قناة مباشرة بين المواطن والمؤسسة القضائية، حيث يتم التعامل مع كل شكوى بروح المسؤولية، والوقوف على حقيقتها، والبحث في ظروفها، حفاظاً على ثقة الناس في الجهاز القضائي. كما تضطلع بدور حساس جداً في الجانب التأديبي من خلال إجراء الأبحاث والتحريات التي يأمر بها الرئيس المنتدب، وتلك مهمة لا تُسند إلا لجهاز يتمتع بالاستقلالية والكفاءة والخبرة.
ويتعدى دور المفتشية ذلك إلى تتبع ثروة القضاة وأزواجهم وأبنائهم عند تكليفها من طرف الرئيس المنتدب وبعد موافقة المجلس، وهو إجراء يهدف إلى تعزيز الشفافية ومحاربة أي شبهة غير قانونية، حتى تبقى السلطة القضائية فوق كل الشبهات، وحتى يظل القاضي رمزاً للنزاهة والالتزام والاحترام.
كما تساهم المفتشية في إعداد الدراسات والتقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، وهي دراسات تُبنى على مشاهدات ومعطيات دقيقة تُرصد أثناء زيارات التفتيش أو خلال معالجة الملفات، مما يجعل تقاريرها مرجعاً مهماً في مسار الإصلاح القضائي بالمغرب.
أما التفتيش اللامركزي، فهو امتداد مباشر لعمل المفتشية لكنه يتم عبر الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف والوكلاء العامين للملك، الذين يمارسون التفتيش على المحاكم الابتدائية داخل دوائرهم. ويهدف هذا النوع من التفتيش إلى ضمان انسجام العمل داخل الدائرة القضائية، وتتبّع تنفيذ البرامج المسطرة في الجمعيات العامة للمحاكم، والبحث عن الاختلالات والمشاكل التي تعرقل الأداء القضائي، مع السعي إلى الرفع من الجودة وتوحيد الممارسة القضائية بما يمنع التفاوت والاضطراب في الأحكام والمعالجات.
وتبرز أهمية هذا التفتيش اللامركزي في قربه من المحاكم التابعة للدائرة القضائية، حيث تكون الرؤية أكثر وضوحاً والنتائج أكثر دقة، إضافة إلى كونه يساعد على تتبع تنفيذ توصيات المفتشية العامة، ما يخلق انسجاماً بين المركز والجهات ويمنح عملية المراقبة فعالية أكبر.
ويبدو أن فلسفة القانون رقم 38.21 تقوم على فكرة التكامل بين التفتيش المركزي واللامركزي، بحيث يشتغلان في خط متوازٍ، كل منهما يكمل الآخر، لتكوين صورة شاملة عن واقع العدالة عبر كل تراب المملكة. فحين تتقاطع المعطيات، وتُدرس التقارير، وتُحدد نقاط القوة والضعف، يصبح الإصلاح مبنياً على أسس واقعية وليس مجرد شعارات.
وتبقى المفتشية العامة للشؤون القضائية، بمهامها وأدوارها، الضامن الصامت لنزاهة القضاء المغربي، لأنها تقف خلف الستار تراقب بعين يقظة كل التفاصيل، وتعمل باستمرار على حماية العدالة من كل انحراف، وجعلها أكثر قرباً من المواطن وأكثر قدرة على أداء رسالتها. فهي ليست مجرد جهاز إداري، بل ركيزة أساسية في بناء الثقة، وترسيخ دولة الحق والقانون، وصون هيبة القضاء الذي يشكل حصن المجتمع ومرتكز الدولة.
مصدر
https://www.cspj.ma/
