مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الوطن أكبر من اللحظة
في الأزمنة التي تتسارع فيها الأخبار كما تتساقط النيازك، لا يعود الخطر قادما من فوهات البنادق وحدها، بل من الكلمات التي تطلق بلا وعي، ومن الأخبار التي تبث بلا ضمير.
هنا، في لحظات التحول الكبرى، تكتشف البشرية حقيقة قديمة:
أن أخطر الحروب هي تلك التي لا تسمع فيها طلقات، بل تسمع فيها الهمسات، وتدار في العقول قبل أن تنفجر في الشوارع.
في سوريا، وفي هذه المنطقة التي كتب تاريخها بالحبر والدم معا، تتكاثر الروايات كما تتكاثر الشظايا، وتتداخل الحقيقة بالوهم، حتى يغدو المواطن البسيط—الذي أنهكته سنوات الخوف—أول الضحايا، وأضعف الحلقات، وأكثرها عرضة للانكسار.
ليست الفتنة طارئة على تاريخنا، ولا دخيلة على جغرافيتنا.
إنها ذلك الكائن الخفي الذي لا يحتاج إلى جيش ولا إلى راية، بل إلى خبر ناقص، أو صورة مبتورة، أو خطاب يقال في لحظة غضب.
قالوا قديما—وأصابوا—إن «الفتنة إذا أقبلت عرفها العقلاء، وإذا أدبرت عرفها الجهال»، لكنها في زماننا هذا لا تمهل أحدا.
اليوم، ومع لحظات حساسة تمس وحدة المجتمع، وتوازناته القومية والمناطقية والدينية، تعود الفتنة لتعلن عن نفسها بوصفها خطرا وجوديا، لا يقل فتكا عن الحرب، وربما يفوقها؛
فالحرب تدمر الحجر،
أما الفتنة فتدمر البشر من الداخل.
تشهد منصات التواصل سيلا جارفا من الأخبار غير المؤكدة:
حديث عن اشتباكات، عن اعتقالات، عن تهجير، عن استهداف على أساس الهوية والانتماء.
قد يكون بعضها مبالغا فيه، وبعضها مفبركا بالكامل، لكن النتيجة واحدة:
زرع الشك، تسميم القلوب، ودفع الناس إلى الاصطفاف الأعمى.
الخطر الحقيقي ليس في كذب الخبر فقط، بل في سرعته، وفي هشاشة النفوس التي أنهكها الانتظار، حتى باتت تميل إلى تصديق الأسوأ، وكأن الألم صار أكثر إقناعا من الأمل.
وهنا، تتحول المعلومة إلى وقود،
وتتحول المنصات إلى ساحات حرب نفسية،
ويغدو الخوف لغة مشتركة بين الجميع.
علمنا التاريخ—من ابن خلدون إلى حروب هذا القرن—أن الفتنة لا تولد صدفة.
إنها غالبا مشروع، يستثمر حين تعجز القوى المتصارعة عن الحسم، وحين يكون المجتمع متعبا، وجراحه مفتوحة.
اليوم، لا تدار الفتنة بالسيوف، بل بالحسابات الوهمية، وغرف الصدى، والخطابات التي تستحضر المظلومية لتشيطن الآخر.
خطاب لا يفرق بين عربي وكردي، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا بين مدينة وأخرى،
لأنه ببساطة لا يستهدف فئة بعينها،
بل يستهدف النسيج كله.
وما يمزق اليوم بالكلمة، قد يحتاج أجيالا ليخاط من جديد.
في مثل هذه اللحظات، تتضاعف المسؤولية:
• الدولة مطالبة برواية واضحة، شفافة، وسريعة، لأن الفراغ الإعلامي هو التربة الخصبة للإشاعة.
• النخب الفكرية والدينية والإعلامية مطالبة بأن تكون جدار تهدئة لا وقود اشتعال، وأن ترفض لغة التخوين مهما كانت الإغراءات.
• الإعلام مطالب بأن يتذكر أن السبق الصحفي لا يبرر الخطأ الأخلاقي، وأن الخبر ليس رأيا، وأن الحقيقة ليست وجهة نظر.
أما المواطن—وهو حجر الأساس—فمسؤوليته تبدأ بسؤال بسيط قبل إعادة النشر:
هل ما أشاركه يطفئ نارا… أم يشعل حريقا جديدا؟
في زمن الاضطراب، يصبح الوعي فعل مقاومة،
وضبط النفس شجاعة،
ورفض الفتنة أعلى درجات الوطنية.
قد نختلف، نعم.
وقد تتباين رؤانا، وهذا طبيعي.
لكن الانزلاق إلى صراع أهلي أو قومي ليس نصرا لأحد، بل هزيمة للجميع.
الأحداث متسارعة، لكن الأوطان لا تبنى بالعجلة،
ولا تحمى بالغضب،
بل بالعقل، والحكمة، والإيمان العميق بأن الفتنة—إذا اشتعلت—لا تميز بين من أشعلها ومن احترق بها.
في النهاية،
قد لا نملك السيطرة على كل ما يحدث،
لكننا نملك دائما السيطرة على الكلمة،
والكلمة… هي البداية،
وهي المصير…
