Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

في الحاجة إلى مجتمع مدني قوي: بين شرعية المشاركة ومخاطر الصمت

ليس المجتمع المدني ترفا مؤسساتيا يمكن الاستغناء عنه في لحظات الاستقرار، بل هو، في عمقه، شرط من شروط إمكان السياسة نفسها. فحين تتحول السلطة إلى مركز وحيد لإنتاج القرار، تفقد المجتمعات توازنها الداخلي، لأن الحياة العامة لا تدار فقط بالأوامر، بل بالتفاعل المستمر بين الدولة والمجتمع. وقد عبر الفيلسوف ألكسيس دو توكفيل عن هذه الفكرة مبكرا حين اعتبر أن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بمؤسساتها الرسمية، بل بقدرة مواطنيها على التنظيم الحر داخل جمعيات وهيئات مستقلة تشكل “مدرسة يومية للحرية”.

في هذا السياق، يكتسب المجتمع المدني معناه بوصفه فضاء وسيطا، لا يعارض الدولة بقدر ما يكملها. إنه المجال الذي تتحول فيه المطالب الخام إلى صيغ قابلة للنقاش، والاحتجاجات إلى اقتراحات، والتوترات إلى إمكانيات للإصلاح. وهذا ما ينسجم مع ما ذهب إليه أنطونيو غرامشي حين رأى أن المجتمع المدني هو ساحة بناء “الهيمنة الثقافية”، حيث تتشكل القناعات وتتبلور الشرعية بعيدا عن الإكراه المباشر.

المدينة “La Cité” المواطن “ Citoyen “ تفقد بوصلتها حين يصمت المجتمع المدني. عبارة لا تحمل بعدا بلاغيا فقط، بل تختزل مسارا كاملا من التحولات التي تصيب المجال العام عند غياب الوساطة. فالمشاكل لا تختفي بالصمت، بل تتراكم في شكل احتقان غير مرئي، وتتحول المؤسسات إلى جزر معزولة عن محيطها الاجتماعي. وهنا يستعيد قول يورغن هابرماسراهنيته، حين شدد على أن الفضاء العمومي هو مجال التداول العقلاني الذي يمنح القرارات مشروعيتها، وأن أي خلل في هذا الفضاء ينعكس مباشرة على جودة الديمقراطية.

إن ضعف المجتمع المدني لا يؤدي فقط إلى اختلال في التعبير، بل يفتح الباب أمام أعطاب بنيوية في تدبير الشأن العام. فغياب الرقابة المدنية يجعل القرار العمومي أقل شفافية، ويؤخر اكتشاف الاختلالات إلى أن تتحول إلى أزمات مكلفة. هنا، لا يكون المجتمع المدني مجرد فاعل احتجاجي، بل جهاز إنذار مبكر، يساهم في تقويم السياسات قبل أن تنحرف. وقد لخص مونتسكيو هذه الفكرة حين ربط بين توازن السلطة وتعدد الفاعلين، معتبرا أن كل تركيز مفرط للقوة يحمل في طياته قابلية للفساد.

غير أن الأثر الأعمق لغياب المجتمع المدني يتجاوز السياسة إلى ما هو رمزي وثقافي. فالمدينة التي يفقد سكانها الإحساس بقدرتهم على التأثير تتحول تدريجيا إلى فضاء بلا روح. تتآكل فيها روابط الانتماء، ويضعف فيها الاستثمار العاطفي للمواطن في محيطه. وهنا يمكن استحضار رؤية حنة أرندت التي رأت أن الفعل السياسي الحقيقي لا يتحقق إلا في فضاء مشترك يشعر فيه الأفراد بأنهم مرئيون ومسموعون، وأن غياب هذا الفضاء يعني تراجع معنى المواطنة نفسها.

من هذا المنطلق، لم يعد تعزيز المجتمع المدني خيارا سياسيا ثانويا، بل ضرورة تفرضها تحولات الدولة الحديثة. فالاستقرار لم يعد يقاس بغياب الأصوات، بل بقدرة النظام على استيعابها وتحويلها إلى قوة اقتراحية. إن المجتمعات التي تنجح ليست تلك التي تخمد الاختلاف، بل تلك التي تديره ضمن قواعد واضحة تضمن المشاركة والشفافية.

في النهاية، لا يكمن الخطر في ارتفاع صوت المجتمع المدني، بل في اختفائه. فالصوت، مهما كان حادا، يظل قابلا للإصغاء والتفاعل، أما الصمت فهو المجال الذي تنمو فيه الأزمات دون إنذار. لذلك، فإن الحاجة إلى مجتمع مدني قوي ليست مطلبا فئويا، بل رهانا جماعيا على مستقبل مدينة “دولة” قادرة على الإصغاء لنفسها قبل أن تفقد القدرة على التصحيح.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...