Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

تشكيل الحكومة .. كيف يصبح تدبير الدستور امتحانا للمسؤولية السياسية؟

ليس كل انحراف في الممارسة الدستورية وليد خرق صريح لنصوص الدستور، ولا كل اختلال في تدبير المؤسسات نتيجة تأويل خاطئ لمقتضياته. فقد يكون النص الدستوري سليما، وتكون إجراءاته محترمة في ظاهرها، بينما يجري إفراغ روحه من مضمونها بفعل تدبير سياسي لا يستحضر الغايات التي وضع الدستور من أجلها، ولا يستوعب حجم المسؤولية التي تفرضها اللحظات المفصلية في حياة الدولة. ومن هنا، فإن تشكيل الحكومة ليس مجرد تمرين حسابي لتوزيع الحقائب بين الأحزاب، ولا مناسبة لتصريف التوازنات الداخلية ومكافأة الولاءات، بل هو أول اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة تنفيذية مؤهلة لتحمل أعباء المرحلة.

في هذا السياق، تكتسب مسألة الأسماء المقترحة للاستوزار أهمية تتجاوز الأشخاص أنفسهم إلى المعايير التي تحكم اختيارهم، والخلفيات السياسية التي تصنع تلك الاختيارات، ومدى انسجامها مع متطلبات الحكامة الجيدة وحسن سير المؤسسات الدستورية. فالحكومة، في نهاية المطاف، ليست تجميعا لوجوه حزبية بقدر ما هي جهاز سياسي وتنفيذي يفترض أن يمتلك أعضاؤه من التجربة والكفاءة والقدرة التدبيرية ما يؤهلهم لترجمة الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، في بلد تتزاحم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع فيه انتظارات المواطنين، وتتزايد فيه الحاجة إلى استعادة الثقة في المؤسسات والوساطة الحزبية.

وإذا صحت المعطيات المتداولة بشأن تحفظات ملكية على بعض الأسماء المقترحة للاستوزار، فإن النقاش الدستوري والسياسي يصبح أكثر عمقا من مجرد الجدل حول قبول هذا الاسم أو استبعاد ذاك. ذلك أن الفصل 42 من الدستور يجعل الملك، بصفته رئيس الدولة، رمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وصيانة الاختيار الديمقراطي. وهي مقتضيات تمنح وظيفة التحكيم الدستوري والسياسي مكانتها في هندسة النظام المؤسساتي المغربي، من دون أن تعني تحويلها إلى بديل عن المسؤولية السياسية للأحزاب أو عن الأدوار الدستورية لرئيسة الحكومة.

والأهم هنا أن الإشارة الواردة في بلاغ الديوان الملكي، إن كانت تتعلق فعلا بحسن سير المؤسسات الدستورية، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد تفصيل بروتوكولي في مسار تشكيل الحكومة، بل باعتبارها تذكيرا بأن احترام المؤسسات لا ينفصل عن احترام الوظائف التي أنشئت من أجلها. فالحكومة مطالبة بأن تكون قادرة على الاشتغال والإنجاز، لا أن تكتفي باستكمال هندستها وفق مقتضيات التفاوض الحزبي. غير أن تقييم مدى وجود تحفظات على أسماء بعينها يظل رهينا بما يثبته البلاغ الرسمي، لا بما تتناقله التسريبات والتأويلات غير المؤكدة.

لقد أفرزت الممارسة الحزبية في كثير من الأحيان مفارقة تستحق التأمل: ترفع شعارات الكفاءة والاستحقاق في الخطاب، ثم تتراجع هذه المعايير عند لحظة توزيع المسؤوليات، لتحل محلها حسابات التوازنات والترضيات والولاءات الشخصية. وعندما تتحول الحقيبة الوزارية إلى موضوع للمساومة الحزبية، أو إلى امتداد لشبكات المصالح والعلاقات، فإن الخاسر لا يكون فقط هو المرشح الذي يمتلك مؤهلات أفضل ولم يحظ بالفرصة، بل تكون الخسارة الأعمق من نصيب المؤسسة الحكومية نفسها، التي تجد نفسها أمام مسؤولية ثقيلة بأدوات بشرية قد لا تتناسب بالضرورة مع حجمها.

وليس المقصود من ذلك الادعاء بأن كل اسم متداول يفتقر إلى الكفاءة، أو أن الانتماء الحزبي يتعارض مع الاستحقاق الوزاري. فالحكومة السياسية، بطبيعتها، تتشكل من أحزاب تحمل برامج واختيارات وتتحمل مسؤولية تنفيذها أمام الناخبين، ومن حق هذه الأحزاب أن تقترح ممثليها وتدافع عن اختياراتها. لكن هذا الحق لا يعفيها من واجب تقديم مرشحين تتوافر فيهم المؤهلات الضرورية لتولي الحقائب المسندة إليهم، ولا يجعل الانتماء الحزبي شهادة كافية على القدرة على التدبير. فهناك فرق جوهري بين أن تكون عضوا في حزب سياسي وأن تكون مؤهلا لإدارة قطاع حكومي معقد، تتداخل فيه الاعتبارات المالية والقانونية والاجتماعية والاستراتيجية.

إن الخلط بين الاستحقاق الحزبي والاستحقاق الوزاري هو أحد المداخل التي تفسر أزمة الثقة في العمل السياسي. فالانتخابات تمنح الأحزاب شرعية المشاركة في تدبير الشأن العام، لكنها لا تمنحها تفويضا مفتوحا لتحويل مؤسسات الدولة إلى مجال لتصفية الحسابات التنظيمية أو مكافأة المقربين. والتصويت الشعبي، مهما كانت نتائجه، لا يلغي واجب اختيار الكفاءات، بل يجعله أكثر إلحاحا؛ لأن المسؤولية السياسية تبدأ من لحظة إعلان النتائج، ولا تنتهي عند الاتفاق على توزيع الحقائب.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن حكومة سياسية لا ينبغي أن يختزل في هوية الوزراء الحزبية، ولا في عدد المقاعد التي يحصل عليها كل مكون من مكونات الأغلبية، بل في قدرتها على بلورة مشروع سياسي واضح، وتحديد أولويات قابلة للقياس، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم أجوبة عملية عن البطالة، والقدرة الشرائية، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والعدالة المجالية. فالحكومة السياسية ليست حكومة الأسماء الوازنة في الصور الرسمية، وإنما حكومة القرار والإنجاز والوضوح في تحمل المسؤولية.

كما أن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يدخل الحكومة، بل أيضا بمن يختار، ولماذا يختار، وعلى أي أساس تسند الحقائب. فكلما غابت المعايير المعلنة، اتسعت مساحة الشك، وتحول النقاش العمومي من مساءلة البرامج إلى تداول الأسماء والتكهنات بشأن مراكز النفوذ. أما حين تكون معايير الاختيار واضحة، وتكون العلاقة بين مؤهلات المرشح والقطاع الذي سيتولى تدبيره قابلة للفهم والتقييم، فإن ذلك يمنح الحكومة قدرا أكبر من المصداقية، حتى قبل أن تبدأ عملها.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب لحظة تشكيل الحكومة هو أن تتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج الممارسات نفسها التي ساهمت في إضعاف الثقة في الأحزاب والمؤسسات. فالبلاد لا تواجه تحديات عادية يمكن تدبيرها بمنطق الحد الأدنى من التوافقات، وإنما تواجه رهانات تتطلب تعبئة سياسية ومؤسساتية واسعة، وقدرة على اتخاذ القرار، واستعدادا لتحمل كلفته، بعيدا عن منطق إرضاء الأشخاص أو توزيع المواقع باعتبارها غنائم تفاوضية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون معيار النجاح هو سرعة الإعلان عن التشكيلة الحكومية، بل مدى قدرتها على الصمود أمام امتحان الواقع.

إن الدستور لا يشتغل بالنصوص وحدها؛ إنه يحتاج إلى ثقافة سياسية تحترم مقاصده، وإلى أحزاب تدرك أن المشاركة في السلطة تكليف قبل أن تكون امتيازا، وإلى مسؤولين يفهمون أن المنصب العمومي ليس مكافأة على الولاء، بل أمانة تقتضي الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. وحين تتراجع هذه الثقافة، يمكن أن تستمر المؤسسات في أداء إجراءاتها الشكلية، بينما تتسع المسافة بين الشرعية الدستورية وانتظارات المجتمع.

لهذا، فإن النقاش حول تشكيل الحكومة ينبغي ألا ينحصر في سؤال من سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك، بل أن يتجه إلى سؤال أكثر جوهرية: أي حكومة يحتاجها المغرب في هذه المرحلة؟ حكومة تعكس فقط موازين القوى داخل الأغلبية، أم حكومة تجمع بين الشرعية الانتخابية والكفاءة التدبيرية والقدرة السياسية على الاستجابة لتحديات الدولة والمجتمع؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد معنى التشكيلة الحكومية المقبلة، ويكشف ما إذا كانت الأحزاب قد استوعبت فعلا أن الثقة التي يمنحها الناخبون لا تستكمل بتوزيع المناصب، وإنما تصان بحسن اختيار من يتولونها.

ففي نهاية المطاف، ليست قيمة الحكومة في عدد وزرائها، ولا في توازن ألوانها الحزبية، ولا في الأسماء التي تتصدر واجهتها، وإنما في قدرتها على تحويل المسؤولية إلى إنجاز، والشرعية إلى نتائج، والوعود إلى سياسات ملموسة. أما الدستور، فلا يحترم فقط حين تستوفى إجراءاته، بل أيضا حين يصان جوهره من كل ممارسة تضعف المؤسسات أو تفرغ المسؤولية السياسية من معناها. وتلك هي المسافة الدقيقة بين تشكيل حكومة وفق القواعد، وتشكيل حكومة تستحق ثقة المواطنين وانتظاراتهم.


شاهد أيضا

شاهد أيضا