مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أن تحاكم رئيسا سابقا لا يعني فقط أنك تطبق القانون، بل يعني أنك بلغت النضج الذي يسمح لك أن تراجع ذاكرتك دون خوف، وتغسلها دون إملاء. لحظة يصبح فيها الدستور أكثر مهابة من العلم، والقاضي أكثر مهابة من القائد.
لا تكتب الديمقراطيات بالكلمات، بل بالمواقف الحاسمة. وما جرى لنيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الأسبق، ليس مجرد حادثة قضائية، بل مرآة مصقولة لجمهورية لم تفقد بصرها ولا ذاكرتها. فرنسا، التي اخترعت الثورة على الملكية، تواصل اليوم ثورتها الصامتة: أن لا أحد، مهما اعتلى، يفلت من قبضة العدالة حين تصدق على قسمها الأول — المساواة أمام القانون.
ليس مشهد ساركوزي أمام المحكمة لحظة سقوط فرد، بل لحظة نهوض مبدأ. رئيس سابق، كان يملك مفاتيح الشرطة، المخابرات، وزارة الداخلية، ومنبر الإليزيه، يستدعى ويدان، لا بتشريع انتقامي، بل بأدلة وخيوط كشفتها صحافة حرة، وقضاء لم ينس أنه السلطة التي لا تصافح إلا ضميرها.
ولأن التاريخ لا يحب المصادفات، جاءت هذه اللحظة لتعيد فرنسا إلى أصلها العميق. تلك الجمهورية التي ولدت من رحم المقصلة، لا تزال تقطع حبل السرة بين النفوذ والحصانة. وكأن على الجمهورية أن تذكر أبناءها، بين حين وآخر، بأنها لا تكرم الرؤساء، بل تراقبهم.
قليل من الدول تبلغ هذا القدر من النزاهة المؤلمة. كثيرون ينادون بالديمقراطية، لكن نادرون من يحتملون صلابتها. وكما قال الفيلسوف بول ريكور: “إن العدالة لا تكتمل إلا حين تصير مؤلمة لبعض من شربوا من كأس الامتياز طويلًا.” وساركوزي، الذي لامس حدود السلطوية في بعض ممارساته، تذوق اليوم مذاق الدولة حين تخلع عنه البدلة الرسمية وتمنحه ثوب الموقوف.
فرنسا، الجمهورية التي جردت ملوكها من القداسة، وأحرقت شجرة النسب لتحمي شجرة القوانين، تعيد تأكيد معنى الدولة الحديثة. ليست الدولة من لا تخطئ، بل من تحاسب من يخطئ، مهما علا منصبه. وهذا، على ما يبدو، ما يجعل النموذج الفرنسي عصيا على التقليد.
ليست المحاكمة فقط لحظة قانون، بل هي لحظة فلسفة. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لطالما حذر من “السلطة المتخفية خلف مؤسسات الدولة”، لكن ما رأيناه هنا هو عكس ذلك تماما: سلطة الدولة وقد أزاحت قناعها لتظهر وجه القانون وحده.
واللافت أن من قاد هذا الكشف لم يكن فقط القضاة، بل الصحافة الفرنسية، التي أثبتت أنها ليست سلطة رابعة، بل في أحيان كثيرة، السلطة الأولى في ترتيب الصحوة. كشفت تمويل حملته الانتخابية من الخارج، وربطت الخيوط التي أراد أن يقطعها، وأعادت طرح سؤال فولتير الأبدي: “من يحاسب من يحكم؟”.
وها هي فرنسا تجيب: القلم والقانون.
ليست الديمقراطية أن ينتخب رئيس، بل أن يحاكم عندما يسيء. هذا ما يجعل فرنسا أكبر من رموزها، وأقدم من رؤسائها، وأكثر عنادا من نزوات ساستها. إنها الفكرة التي نجت من النار، وخرجت من تحت الجلود الملكية كي تبني نظاما يرى في العدالة تاجا، لا منصبا.
لقد فعلها الفرنسيون مرة أخرى، وأثبتوا أن الجمهورية ليست عهدا يتلى، بل عهد يختبر. وساركوزي؟ لن يذكر فقط كالرئيس الذي حكم، بل كالرئيس الذي حوكم.
وبين “حكم” و”حكم عليه”، ترقد عظمة دولة.
