Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عبدالله ستيتو، ناقد يكتب.. سرديات كورونا: الواقع والتخييل

يمكنني أن أجزم بأن عصر كورونا زائل لا محالة، إلا أن الذاكرة ستؤرخ كما هائلا من الأحداث والوقائع، منها ما هو واقعي والآخر تخييلي عبر أجناس مختلفة من الحكي، وسيظل التاريخ البشري شاهدا على هذا الجرح الإنساني ، الذي عجزت فيه أرقى الحضارات في مواجهة الوباء في حينه،  وبالسرعة المطلوبة حفاظا على صحة الإنسان وكرامته.

  إن المتتبع لسردية الإنسان عبر التاريخ ، سيكتشف كما هائلا منها ، اختلط فيها الواقعي بالتخييلي ، خاصة فيما يتعلق بسردية الأوبئة التي عرفتها البشرية عبر العصور. امتزج بين ثناياها الواقعي باعتباره محطات أساسية للأوبئة الفتاكة، من طاعون وكوليرا وما شابه ذلك…، وما رافقه من حكايات تخييلية طغى عليها الجانب الغرائبي أحيانا وفي أحيان أخرى اتسمت بالهزل والتنكيت.

  نعيش اليوم على إيقاع سردية جديدة عنوانها العريض، فيروس كورونا المتطور كوفيد 19 الذي انطلق من الصين بشكل صامت أواخر دجنبر 2019 ، وما إن مرت بعض الأيام حتى بدأت تتناسل أخباره عبر التواصل الاجتماعي بشكل هزلي لإنسان تناول حسوة خفاش هناك ليصاب بالمرض ويكون العالم ضحية لهذا الثقافة من الوجبات المتداولة في الصين. وهذه السردية الاستهزائية من الوباء واللامبالاة التي تناولها الناس جعلتهم غير حذرين من مخاطره، أبدعوا من خلالها من وعي التخييل ركام من المستملحات المضحكة بشكل غير واع ، إما بغرض التنفيس على النفس انطلاقا من المخيال الشعبي ” كثرة الهم تضحك ” أو بدافع الجهل بعواقب الوباء وتبعاته. مما أدى إلى تمييع التعامل الجدي والاحترازي مع الجائحة. كيف لا ونحن نصادف خطابا رسميا لرئيس الحكومة المغربية يصب في نفس الاتجاه بتصريحه الشعبوي في حوار أجرته معه القناة الثانية وهو خريج كلية الطب يصرح بسردية مفادها أن  “كورونا سيختفي في الصيف بفعل ارتفاع الحرارة” وإن آمنا بهذه الفرضية جدلا ، هل ننتظر أربعة أشهر أخرى للقضاء على الوباء بحلول من السماء؟

 ومع تصريح منظمة الصحة العالمية القاضي اعتبار الوباء جائحة عالمية، تغيرت آراء الناس وأصبحنا نتعاطى مع وقائع صادمة بحدة الوباء ومدى قدرته بالفتك ووضع حد للحياة حتى في دول عرفت منظومتها الصحية بالمتطورة. والتي انهارت بفعل الضغط الهائل والمتزايد من المصابين بالعدوى.

 أمام هذا الوضع وبفعل قلة الحيلة، التجأت الدول إلى المطالبة بالمساعدات لاحتواء الأزمة. حتى الدولة العظمى أبانت عن فشلها  وطلبت من الصين (العدوة) المساعدة، في الوقت الذي كان رئيسها يزايد بالكلام في خرجاته الإعلامية بأنه لن يجعل من توقف حركة الناس والمجتمع عاملا في شل دينامية الاقتصاد، والنتيجة الحتمية للغطرسة الأمريكية أدى بها  إلى التربع على عرش المرتبة الأولى من حيث بؤرة الوباء.

 هذه المعطيات ستساهم لا محالة في تغيير،  وبشكل  منطقي السردية التي هيمنت ردحا من الزمن ، التي أسس لها الأخطبوط الإعلامي من خلال الصورة والكتابة حول مفهوم الدولة العظمى ، نظام القطبية الواحدة والاتحادات الإقليمية . لصالح سردية جديدة عنوانها الاعتماد على الذات وانغلاق الدول على أفرادها ومواطنيها والاستثمار الجيد في الرأسمال البشري المحلي والقطع مع التبعية. المطلوب اللحظة قبل أي وقت مضى الاجتهاد  الفكري في إيجاد نموذج جديد للعيش الكريم وباستقلالية عن الآخر.

 وفي الأخير يمكنني أن أجزم بأن عصر كورونا زائل لا محالة، إلا أن الذاكرة ستؤرخ كما هائلا من الأحداث والوقائع، منها ما هو واقعي والآخر تخييلي عبر أجناس مختلفة من الحكي، وسيظل التاريخ البشري شاهدا على هذا الجرح الإنساني ، الذي عجزت فيه أرقى الحضارات في مواجهة الوباء في حينه،  وبالسرعة المطلوبة حفاظا على صحة الإنسان وكرامته.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...