Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

زياد الرحباني، عاشق العبث وناسك الحنين الذي لا يموت

رسالة تأبينية عن زياد الرحباني، تسترجع روحه المتمردة وعمق تأثيره الفني الذي جعل الأغنية مساحة للسخرية والحزن والأمل. زياد كان نصير البسطاء والساخر من الزيف، أغنيته حملت أسئلة الوجود وفلسفة الفقراء.

إن إرث زياد سيبقى حاضرا في قلوب الناس وأصوات العاشقين رغم رحيله.

الموت الذي لا يهاب الفوضى جاء أخيرا ليختم قصة زياد الرحباني (1955-2025)، ابن الجوهرتين فيروز وعاصي، فيلسوف الصخب وناسك الأسئلة الكبرى، الذي كتب للقلب اللبناني نشيد البقاء والتمرد.

رحل زياد الرحباني في صيف بيروتي حار، تاركا خلفه موسيقى للقلوب المتعبة وأسئلة للفكر الجمعي، حتى أصبح صوته علامة فارقة بين شجن الشرق وضحكة العناد، وكأنه يهمس لنا في الغياب.

عاش زياد غريبا في وطنه، ساخرا من الزيف، مؤمنا أن الحزن يمكنه ان يكون أغنية وأن الضحك مقاومة.لم يكن زياد مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي، بل كان فيلسوف الأغنية وصوفي التفاصيل اليومية، يقول:  “أنا أبحث عن الموسيقى التي تكتب الواقع، وأؤمن أن اللحن الصادق كفيل بأن يواجه الدبابة بكل رشاقة.”

كتب زياد للعشاق والفقراء والهائمين في دوامة الحياة، وردد:  “أنا مش كافر، بس الجوع كافر”. وهو القائل في لحظة صراع مع الليل:  “ما عم بقدر نام… العالم كلها نايمة إلا قلبي”.

زياد هو الهامش الذي صار متنا في كل وجدان عربي حر. آمن أن العدالة لا تنتظر عالما آخر:  “إذا كان في عدالة، لازم تكون موجودة هلق، مش بعالم تاني”.

في كل ما صنع، كان زياد أقرب إلى نبي تائه، لم يهادن سلطة ولا صفق لتاريخ، بل سخر من المعنى وتلمس الحقائق في زوايا النسيان: ” حائر أنا بين أن يبدأ الفرح…وبين أن يبتلعه المسرح”، وكان الفرح عنده نكتة سوداء، والمسرح قطعة من روح المدينة الجريحة: بيروت التي جعل من فوضاها موسيقى تشبه الجاز – عميقة، ممتلئة بالحنين، ساخرة من كل شيء.

زياد لم يكن “امتداد” للرحابنة؛ كان الانفصال الضروري، الشرخ الذي منح فسحة الحرية لأغنية عربية أرادت أن تنتصر على التكرار.

لقد رحل اليوم، لكن روحه باقية مع النكتة الحزينة وليالي بيروت وأحلام البسطاء، وموسيقاه ستظل تلامس من لم يجد حتى الآن إجابة، رحل وترك خلفه سؤالا أبديا عن الوجود والمصير، و”أنا مش كافر” أغنية للذين يبحثون عن النور داخل الأنقاض. كتب عن الغياب والحب والجنون بروح فيلسوف ساخر: ” في دنيانا يا أمي لا يوجد فستان بشع”.

حين نعته بيروت وأجمعت قامات السياسة والفكر والفن على عزائه، كان صدى كلماته يصعد من الحناجر: “سألوني الناس عنك يا حبيبي … لأول مرة ما منكون سوا”.

وها نحن اليوم نبكيه ونبتسم في آن، لأن زياد اختار أن يترك فينا ما هو أكبر من الفقد: ترك نكهة الأسئلة الحرة، وصدق الأغنية المتمردة، وجرأة المسرح الذي لم يسأل يوماً إذن أحد.

قال نصير شمة: ” الأجساد ترحل لكن الأثر يبقى، وأثر زياد سيظل محفورا في وجداننا”.

أما زياد فقد خط بنفسه أجمل رثاء: ” دايما بالآخر في وقت فراق”

وداعا زياد، أيها الساكن في المسافة بين العقل والحنين، بين نكتة حزينة وأمل لا ينتهي…

وداعا أيها العابر في سؤالنا الدائم… من نحن؟ ومتى يبدأ الضحك في وطن لا يتسع إلا للحزن الجميل؟.

وداعا لعراب جيل الحرية

وداعا لعبقري النغمة والإبداع

وداعا لشريك يومياتنا ومفرداتنا

وداعا لراسم الأحلام قبل أصحابها

وداعا للمعلم.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...