مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم تكن فيضانات القصر الكبير والعرائش مجرد حدث طبيعي عابر، بل لحظة كاشفة سقطت فيها الأقنعة، وبرز فيها الفرق الجلي بين من نزل إلى الميدان، ومن اكتفى بالتصريحات، وبين من قدّم فعلاً إنسانيًا صادقًا، ومن استغل المأساة لركوب موجة التعاطف وتلميع الأسماء.
ففي خضم الكارثة، وبينما كانت المياه تحاصر البيوت، وتُهجَّر أسر بكاملها، وتعمل السلطات والجمعيات الجادة تحت ضغط كبير وبإمكانيات محدودة، ظهر فجأة بعض رجال الأعمال المقيمين بالخارج، يروّجون عبر منصات التواصل الاجتماعي لما سموه “مبادرات إنسانية”، دون أن يرى المواطن أثرًا ملموسًا لها على أرض الواقع.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
ما طبيعة هذه المبادرات التي تم الحديث عنها؟
وهل كانت مساعدات مالية موثقة؟
أم قوافل إنسانية منظمة بتنسيق مع السلطات؟
أم مجرد تدوينات وصور وتصريحات عائمة لا تتجاوز حدود العالم الافتراضي؟
الواقع الميداني، بشهادة الفاعلين الحقيقيين، لم يسجّل حضورًا فعليًا لهذه “المبادرات” المعلنة، وهو ما يطرح إشكالًا أخلاقيًا وقانونيًا خطيرًا، حين يتم استغلال كارثة طبيعية لتسويق صورة إنسانية غير قائمة.
إن تحويل معاناة المنكوبين إلى مادة للدعاية الذاتية ليس فقط سلوكًا انتهازيًا، بل يُعد انحرافًا أخلاقيًا فادحًا، يسيء أولًا إلى الضحايا، ويُفرغ التضامن من معناه الحقيقي.
فالعمل الإنساني لا يُقاس بعدد المنشورات، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم الضجيج الإعلامي، بل بما يتركه من أثر حقيقي لدى المتضررين.
وما يزيد من خطورة هذا السلوك، هو محاولات بعض الأسماء “الراكبة” تقديم نفسها كمنقذ، في وقت كانت فيه جهود المجتمع المدني المحلي والسلطات هي العمود الفقري للتدخلات الميدانية، دون ادعاء أو استعراض.
رجال الأعمال والمحسنون الحقيقيون، تاريخيًا، كانوا يعملون في صمت، ويعتبرون فعل الخير مسؤولية لا مناسبة للظهور.
أما من يستغل الفيضانات لعودة إعلامية، أو لتلميع صورة باهتة، أو لتصفية حسابات رمزية مع الغياب الطويل، فهو لا يخدم إلا ذاته، ويُفرغ مفهوم التضامن من جوهره.
الأمر لا يقف عند حدود الأخلاق فقط، بل يتجاوزها إلى شبهة تضليل الرأي العام، خصوصًا إذا ثبت:
– الادعاء بإطلاق مبادرات دون وجودها فعليًا،
– أو جمع تبرعات خارج الأطر القانونية،
– أو توظيف أسماء جمعيات دون ترخيص أو تنسيق.
وهي ممارسات قد تُعرّض أصحابها للمساءلة، وفق القوانين المنظمة للعمل الجمعوي وجمع التبرعات، والتي تجرّم كل استغلال للكوارث في غير ما خُصص له.
ما أنقذ المناطق المتضررة لم يكن رجال أعمال موسميين، بل: مواطنون بسطاء، جمعيات محلية صادقة، وسلطات تحملت مسؤولياتها في ظروف قاهرة.
أما الذين اختاروا الظهور بعد انحسار المياه، وركوب الأمواج بالكلام والصور، فعليهم أن يدركوا أن ذاكرة الناس لا تنسى، وأن المآسي لا تُستثمر، وأن الإنسانية لا تُستعمل كوسيلة ترويج.
فالفيضان مرّ… لكن الحساب الأخلاقي باقٍ.
