مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
السياسة ليست مسرحية لتبديل الأقنعة.
من يحكم، عليه أن يحاسب. ومن يعارض، عليه أن ينتظر دوره.
السياسة، كما يعلمنا ماكس فيبر، تقوم على أخلاق المسؤولية لا على أخلاق النوايا.
في لحظة سياسية تتسم بالغموض، وتحت ضغط اجتماعي يتزايد يوما بعد يوم، خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، ليعلن — بطريقة مراوغة — أنه داخل الحكومة ولكن خارجها في الآن ذاته. جملته الشهيرة في بداية مداخلته:
“أنا هنا أمثل حزب الاستقلال، لا الحكومة”
تحولت إلى عنوان تهكم شعبي واسع، ووصفتها فئة من المراقبين بأنها “صيغة سياسية للهروب من المسؤولية”.
لكن هل يمكن لوزير في حكومة يشارك في قراراتها أن يتبرأ منها أمام الرأي العام؟
هل يجوز لحزب يملك حقائب وزارية أن يرتدي جبة المعارضة؟
وإن كان كذلك، فهل نحن أمام مشهد سياسي مسؤول… أم مسرح عبثي؟
السياسي الذي اعتبر ذات يوم من “الوجوه النظيفة” داخل المشهد الحزبي، اختار أن يتقمص دور “المعارض من الداخل”، رغم أنه جزء أساسي من حكومة يقودها حزبه الحليف، التجمع الوطني للأحرار، ويشغل فيها حقيبة وزارية حساسة.
مفارقة السلطة والمعارضة: العبث السياسي بلغ مداه
مداخلة نزار بركة لا يمكن عزلها عن السياق العام: حكومة تتعرض لهجوم شعبي بسبب ارتفاع الأسعار، أزمة التعليم والصحة، وتدهور القدرة الشرائية، مقابل غياب شبه تام للتواصل الجاد من طرف الوزراء، واختباء البعض وراء “الشرعية الانتخابية”.
في هذا السياق، كان من المفترض أن يخرج نزار بركة للدفاع عن الأداء الحكومي، أو على الأقل توضيح موقف حزبه داخل الائتلاف. لكن عوضا عن ذلك، حاول تجميل صورته الحزبية على حساب المسؤولية الحكومية. وهذه ممارسة تفرغ العمل السياسي من مضمونه.
فهل أصبحنا أمام وزراء يسيرون الوزارات صباحا، ويعارضون الحكومة مساءً؟
هل وصل العبث السياسي إلى أن يستعمل المنصب الحكومي كمنبر انتخابي سابق لأوانه؟
المسؤولية السياسية لا تجزَّأ
في الأنظمة الديمقراطية، لا وجود لنصف مسؤول. إما أن تتحمل مسؤوليتك الكاملة، أو تنسحب بشجاعة.
ونزار بركة، لحظة تصريحه ذاك، لم يكن رجل دولة، بل كان مجرد سياسي خائف على رصيده الانتخابي.
لقد ذكر في نفس المداخلة أنه “يتفهم معاناة الشباب” و”يتفق مع جزء من النقد الموجّه للحكومة”. لكن السؤال المنطقي هنا هو:
إذا كنت تتفهم وتوافق، فلماذا تصوت على نفس السياسات داخل المجلس الحكومي؟
إنه انفصام سياسي حقيقي. شبيه بما وقع في تجارب سابقة حين تبرأ بعض الوزراء من قرارات حكوماتهم بعد فشلها، مثلما فعل عدد من وزراء “التكنوقراط” في حكومة عبد الإله بنكيران سابقا، أو حتى في تجارب دولية، كوزراء داخل حكومة بوريس جونسون الذين استقالوا عندما لم يعودوا يؤمنون بالتوجه العام.
نزار بركة: مع الشعب… ضد الحكومة التي ينتمي إليها؟
من خلال تفكيك مضمون مداخلة نزار بركة، يتضح أنه حاول تمرير رسائل موجهة للشباب الغاضب، بقوله إنه يتفهم المشاكل الاجتماعية، وإنه “ليس راضيا تماما عما يقع”. لكن الرسالة الحقيقية التي فهمها الجميع كانت: “أنا كنت دايز غير حدّا الحكومة”.
لقد أراد نزار بركة أن يقول للمغاربة: “أنا معكم”، لكن المغاربة، الذين سئموا الخطاب المزدوج، قالوا له بصوت عالٍ: “Get out all of you!”
عن أي مسؤولية سياسية نتحدث؟
الوزير الذي يتقاضى أجره من المال العام، والذي يشغل منصبا حكوميا منذ 2021، لا يمكنه في أي حال من الأحوال أن يتصرف كناشط سياسي في ندوة طلابية. هذا تهريب للمسؤولية، وهروب إلى الأمام، يعكس فقدان النخبة السياسية الحالية لثقافة المحاسبة والوضوح.
نزار بركة ليس مجرد وزير؛ هو زعيم حزب تاريخي، شارك في بلورة السياسات العمومية، وصوّت على كل قوانين الحكومة، وبارك اختياراتها داخل البرلمان. وبالتالي، فإن محاولة غسل اليدين من “أخطاء الحكومة”، ليست فقط تصرفا جبانا كما وصفه العديد من النشطاء، بل هي استهتار بذكاء الرأي العام.
بين المعارضة الحقيقية والمعارضة المسرحية
الأمانة السياسية تقضي بأن تتحمل تبعات المنصب. لا أن تستفيد من امتيازاته، ثم تنكر القرارات أمام الجمهور.
نزار بركة أراد أن يرتدي بدلة المعارضة النظيفة داخل قاعة مليئة بغبار القرارات الحكومية التي شارك في صنعها.
كما يقول المثل السياسي الفرنسي:
“من يأكل في المطبخ، لايحق له انتقاد الطعام من طاولة الضيوف.”
وقد كان بركة داخل “مطبخ الحكومة”، فلماذا الآن يتحدث كما لو أنه مجرّد ضيف عابر؟
“سياسي جبان”… كما وصفه البعض؟
عدد من ردود الفعل، خصوصا على منصات التواصل الاجتماعي، لم ترحم. البعض وصفه بـ”سياسي جبان”، فيما كتب ناشط معروف:
“باركة عليك السي بركة، سير بحالك من السياسة كلها…”
الخطير ليس فقط في ما قيل، ولكن في مناخ انعدام الثقة الذي أصبح يطبع علاقة المواطن بالحكومة. حين يرى المواطن وزيرا يتنصل من مسؤولياته، فإن رسالة واحدة تصل إليه:
“لا أحد في هذه الحكومة مستعد للمساءلة… الكل يختبئ.”
دروس من الخارج… وعبَر من الداخل
في دول تحترم مؤسساتها، استقال وزراء فقط لأنهم فشلوا في تنفيذ وعودهم، أو لأنهم شعروا بأنهم لا يمثلون نبض الشارع.
بينما في حالتنا، نشاهد وزراء يهاجمون حكوماتهم وكأنهم في موقع المعارضة، فقط لحماية مستقبلهم السياسي.
وقديماً قيل:
“من طلب العز في غير موضعه، أورثه الله ذلّاً في موضعه.”
والعز هنا ليس بالكلمات الرنانة، بل بتحمل الكلفة السياسية لما تقول وتفعل.
في الأخير وليس آخرا لا شرف في المعارضة الزائفة، ولا كرامة في السلطة بلا مسؤولية
إن نزار بركة، وحزبه، وكل الفاعلين في المشهد السياسي، أمام اختبار أخلاقي وسياسي.
إما أن يتصرفوا كرجال دولة، يتحملون الفشل كما يفتخرون بالنجاح، أو أن يخرجوا من المسرح السياسي، ويتركوا مكانهم لجيل جديد لا يخاف من قول:
“نعم، نحن من قرر… ونحن من يتحمّل النتيجة.”
لأن الشعب، ببساطة، لم يعد يقبل أن يقاد من طرف من يريدون التسلل بين “شرف المعارضة” و”حلاوة السلطة”.
