مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست كل اللحظات السياسية سواء؛ بعضها يمر عابرا في نشرات الأخبار، وبعضها يتسلل بهدوء إلى دفاتر التاريخ ليعيد رسم الخرائط بصمت. ما جرى خلف أبواب مغلقة في مدريد، بحضور دبلوماسي أميركي فاعل، لم يكن اجتماعا بروتوكوليا عابرا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل عنوانه: الصحراء، والسيادة، والتوازنات المغاربية. في الخلفية، يطل اسم دولاند جون ترامب،الذي أعاد في ولايته السابقة خلط أوراق الملف باعترافه بسيادة المغرب على الصحراء أواخر 2020، واضعا مقاربة جديدة عنوانها البراغماتية الصريحة.
يقول ميكيافيللي في الأمير: “السياسة لا تحكم بالأماني، بل بموازين القوة”. وفي هذا الميزان، بدا أن الرباط دخلت الجولة الأخيرة بوثيقة تفصيلية أشبه بـ”هندسة دولة” للحكم الذاتي، لا كشعار فضفاض بل كنموذج مؤسساتي محكوم بسقف السيادة. فالمقاربة المغربية، التي قدمت منذ 2007 إلى مجلس الأمن، ترتكز على حكم ذاتي موسع تحت السيادة الوطنية، مع احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية. ومنذ قرار مجلس الأمن رقم 1754، وصولا إلى القرار 2703 سنة 2023، ظل المجلس يصف المبادرة المغربية بأنها “جدية وذات مصداقية”.
في المقابل، تعثر الطرح الانفصالي في معضلة الزمن والواقعية. ففكرة “المرحلة الانتقالية يعقبها استفتاء” تصطدم بوقائع ديموغرافية وقانونية وسياسية معقدة، جعلت الأمم المتحدة نفسها تتجاوز منذ سنوات خيار الاستفتاء بوصفه حلا عمليا. هنا يستحضر المرء مقولة ريمون آرون: “الدبلوماسية فن الممكن، لا فن الرغبات”. والواقع أن التحولات الدولية لم تعد تتسامح مع صراعات مجمدة بلا أفق.
غير أن الملف الصحراوي لا يعيش في فراغ. فهو يتقاطع مع واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية في شمال أفريقيا: القطيعة بين الرباط والجزائر منذ غشت 2021. الجزائر، التي تعتبر النزاع مسألة تصفية استعمار، ترى في أي حل خارج إطار تقرير المصير انتقاصا من مبدئها السياسي. بينما يعتبر المغرب القضية شأنا سياديا داخليا. بين الموقفين، تتراكم طبقات من انعدام الثقة والتنافس الجيوستراتيجي، وتتشابك اعتبارات الأمن الطاقي، والتحالفات الدولية، وتوازنات الساحل.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع ترامب — إذا عاد إلى البيت الأبيض — أن يفك عقدة الرباط والجزائر؟ الرجل الذي قدم نفسه مرارا كـ”صانع صفقات” يرى السياسة الخارجية بعين رجل الأعمال؛ اتفاق قابل للقياس، التزامات واضحة، ومكاسب متبادلة. لكن الأزمات البنيوية لا تحل بجداول زمنية قصيرة. إعلان مبعوثيه عن إمكانية اتفاق خلال ستين يوما يعكس روح الإدارة أكثر مما يعكس تعقيد الجغرافيا السياسية للمنطقة.
ليست المشكلة في غياب الوسيط، بل في تعريف “السلام” نفسه. فالمغرب والجزائر ليسا في حالة حرب معلنة، بل في حالة قطيعة باردة. وعليه، فإن أي اختراق واقعي سيقاس بمؤشرات عملية: إعادة فتح القنوات الدبلوماسية، إحياء آليات التنسيق الأمني، معالجة الملفات الإنسانية للعائلات المشتتة، وربما مستقبلا بحث مسألة الحدود المغلقة منذ 1994. وكما كتب هنري كيسنجر: “الشرعية الدولية لا تبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على توازن المصالح”.
أما موريتانيا، الجار الجنوبي، فتقف في موقع دقيق. فهي رسميا على مسافة واحدة من الجميع، لكنها معنية بأي تحولات اقتصادية أو لوجستية في المنطقة، خاصة ما يتعلق بالموانئ والبنى التحتية في أقصى الجنوب. فالسياسة، كما قال شارل ديغول، “ليست فن إدارة الأحداث فحسب، بل فن توقعها”.
من زاوية أوسع، يبدو أن العالم يميل إلى منطق “الاستقرار أولاً”. الاعتراف الأميركي سنة 2020، وتزايد عدد الدول التي فتحت قنصليات في العيون والداخلة، وتحول لغة مجلس الأمن نحو “حل سياسي واقعي ودائم”، كلها مؤشرات على أن المجتمع الدولي يفضل تسوية براغماتية على استمرار نزاع منخفض الحدة. لكن البراغماتية لا تعني الإملاء؛ فاستدامة أي حل تقتضي قبولا إقليميا، أو على الأقل عدم معارضة فاعلة من الجزائر.
إن الحديث عن “جنازة الطرح الانفصالي” قد يكون توصيفا سياسيا حادا، لكنه يعكس شعورا متناميا بأن الزمن لم يعد يعمل لصالح المشاريع المؤجلة. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا الحذر. فقد ظن كثيرون بعد اتفاق أوسلو أن الشرق الأوسط دخل عصر السلام، ثم أثبتت الوقائع أن السلام إعلان سهل وبناؤه عسير.
على الورق، تستند المقاربة الأميركية إلى ثلاثة روافع رئيسية. أولها أوراق الضغط المرتبطة بالتعاون الأمني والملفات الطاقية والنفاذ إلى الأسواق والتجهيزات، وهي أدوات يمكن لواشنطن توظيفها إذا كان الهدف هو خفض التصعيد في منطقة المغرب العربي. ثانيها منهجية الوساطة، حيث سعت الإدارة الأميركية إلى إعادة الأطراف إلى طاولة النقاش بشأن ملف الصحراء، عبر تنظيم لقاءات في مدريد مع موفد رئاسي، في مؤشر على دبلوماسية أكثر انخراطا من السابق. أما الرافعة الثالثة فتتعلق بالبعد الرمزي والسياسي، من خلال إطلاق مبادرات وهيئات تحمل طابع “الوساطة الشاملة”، في محاولة لتكريس صورة إدارة تقود جهود التهدئة في أكثر من ساحة.
في النهاية، المسألة ليست مباراة صفرية بين غالب ومغلوب، بل اختبار لقدرة الفاعلين على الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الترتيبات العملية. الحكم الذاتي، إن كتب له أن يصبح الإطار النهائي، لن ينجح إلا إذا تحول من وثيقة قانونية إلى عقد ثقة يطمئن الساكنة ويقنع الجوار. ووساطة أميركية — سواء قادها ترامب أو غيره — لن تصنع المعجزة ما لم تتوفر إرادة إقليمية تعترف بأن استنزاف الطاقات في نزاعات مزمنة يبدد فرص التنمية والتكامل المغاربي.
“السلام لا يفرض، بل يصنع”، كما كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في مشروعه للسلام الدائم. وبين طموحات الرباط، وهواجس الجزائر، وبراغماتية واشنطن، يقف المغرب العربي أمام لحظة مفصلية: إما أن يحول التحولات الدولية إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر استقرارا، أو يظل أسير دائرة مفرغة من الشكوك المتبادلة.
وحده الزمن كفيل بأن يكشف إن كانت تسريبات مدريد مجرد فصل عابر في صراع طويل، أم بداية صفحة جديدة تطوى فيها عقود من الجمود، ويكتب عنوان مختلف لتاريخ المنطقة.
