Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

القنيطرة بين قبضة العائلة والفراغ الإداري..هل تتحول الجماعة إلى ضيعة خاصة؟

تعيش جماعة القنيطرة أزمة خانقة على مستوى تدبير الموارد البشرية، نتيجة نزيف متواصل في موظفيها بسبب التقاعد والوفاة والتنقيلات، دون أن يقابله أي ضخ لدماء جديدة تعوض الخصاص. غير أن هذه الأزمة لم تكن وليدة الظروف الطبيعية فقط، بل تعمقت بفعل قرارات غير مدروسة، بل وغير مبررة، كان آخرها تنقيل موظفين من الكفاءات الشابة إلى جماعة سيدي الطيبي، التي يرأسها شقيق رئيسة جماعة القنيطرة، في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول تداخل المصالح العائلية بالشأن العام.

قرار التنقيل لم يكن إجراءً عاديًا، بل كان ضربة قاصمة لهيكلة الجماعة، خاصة أن قسم التعمير فقد في فترة وجيزة أربعة موظفين دفعة واحدة دون تعويضهم. هذا القسم، الذي يعتبر عصبًا أساسيًا في تسيير الجماعة، وجد نفسه عاجزًا عن مواجهة الكم الهائل من الملفات والمساطر الإدارية التي تتطلب تدبيرًا دقيقًا وسريعًا. وبدل أن تتجه الرئيسة نحو سد هذا الفراغ، قامت بخطوة عكسية، وكأن هدفها لم يكن سوى تعزيز وضعية شقيقها على حساب الجماعة التي انتخبت لتسييرها.

السياق الذي جاء فيه هذا القرار يكشف أنه لم يكن مجرد حركة إدارية عادية، بل هو جزء من منطق “الإدارة العائلية” الذي يهدد بتفريغ المؤسسات المنتخبة من استقلاليتها. عندما يصبح نقل الموظفين خاضعًا لرغبة الأخ وليس لحاجيات الجماعة، فإن ذلك يشير بوضوح إلى أن القنيطرة تُدار بعقلية المجاملة والمحسوبية، وليس وفق منطق التدبير الرشيد. الجماعة تحولت، بهذا الشكل، إلى مورد بشري لجماعة أخرى، فقط لأن رئيسها يحمل الاسم العائلي نفسه لرئيسة القنيطرة. هذا الوضع ليس فقط إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص بين الجماعات، بل هو أيضًا شكل من أشكال سوء استغلال السلطة.

لنفهم هذا القرار، يجب النظر إلى وضعية جماعة سيدي الطيبي، التي تعاني من فوضى تدبيرية جعلتها واحدة من أكثر الجماعات اختلالًا في الغرب. الطرق المهترئة، ضعف البنية التحتية، والعجز عن تقديم خدمات أساسية، كلها عوامل جعلت هذه الجماعة تعيش وضعًا كارثيًا. في ظل هذا الوضع، أصبح لزامًا على رئيسها، أي شقيق رئيسة القنيطرة، البحث عن حلول سريعة تحفظ له بعض المصداقية قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ولأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى رؤية وإرادة، فقد لجأ إلى الحل الأسهل: استقدام موظفين جاهزين من القنيطرة لمحاولة تحسين صورة جماعته، ولو بشكل مصطنع.

لكن هذا القرار لم يكن ليتم دون إرادة واضحة من رئيسة القنيطرة، التي لم تتردد في التضحية بجماعتها لمجاملة شقيقها. هنا، يتحول التدبير المحلي من مسؤولية قائمة على خدمة السكان إلى لعبة نفوذ عائلية، حيث يصبح للقرابة دور أكبر من الكفاءة، وللعلاقات الشخصية تأثير يفوق متطلبات الحكامة الجيدة.

في مواجهة هذا الوضع غير المقبول، يصبح تدخل عامل إقليم القنيطرة أمرًا ملحًا لوضع حد لهذه التجاوزات، التي تجعل من الجماعات الترابية أدوات لخدمة الحسابات العائلية. فالعامل، باعتباره السلطة الوصية، مطالب بالتحقق من مدى احترام هذه التنقلات للمصلحة العامة، ومدى تأثيرها على سير المرفق الجماعي. كما أن دوره الرقابي يفرض عليه التصدي لأي محاولة لتحويل المؤسسات المنتخبة إلى إقطاعيات خاصة تتحكم فيها العائلات والولاءات الشخصية.

إن ترك الأمور تسير بهذا الشكل يعني إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من العبث في تدبير الشأن المحلي، حيث يصبح المنتخبون مجرد أفراد يتصرفون في الجماعات وفق أهوائهم، بدل أن يكونوا مسؤولين يسهرون على خدمة المواطن الذي منحهم ثقته. القنيطرة ليست ملكًا لأحد، وهي ليست موردًا بشريًا لجماعة أخرى، وإذا لم يتم التصدي لهذا المسار الخاطئ، فإن المدينة ستدفع ثمن قرارات تخدم المصالح العائلية أكثر مما تخدم التنمية المحلية.

الساكنة اليوم أمام مشهد عبثي، حيث تتحول الجماعة إلى ورقة في يد عائلة، بدل أن تكون مؤسسة تسير وفق ضوابط واضحة ومساطر شفافة. المشكل لم يعد مجرد اختلال إداري، بل أصبح قضية رأي عام تستوجب وقفة حقيقية، لأن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من الفوضى، وإلى فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. القنيطرة تحتاج إلى تسيير عقلاني وقرارات تصب في مصلحة المواطن، لا إلى قرارات ترضي شقيق الرئيسة وتخدم طموحاته السياسية.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...