مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“ما أكثر الناس، لا بل ما أقلهم… الله يعلم أني لم أقل هذا لكي أرضي أحدا، ولا لكي أغضب أحدا، ولكن أقولها شهادة حق!” – محمد الخامس
في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية يوم الجمعة 11 أكتوبر 2025، لم يكن الملك محمد السادس في موقع الإلقاء الروتيني لخطاب مؤسساتي تقليدي، بل بدا وكأنه يتحدث من صميم قلقه كمواطن أول، وكقائد يزن التحولات الاجتماعية بمنطق الأبوة السياسية لا السلطوية.
الخطاب لم يكن محايدا، ولا مهادنا، بل كان دعوة حازمة إلى مراجعة عميقة لنموذج التنمية الترابية، بل لمفهوم الدولة الاجتماعية نفسها. هذا المفهوم الذي طالما رفع شعارا، لكنه اليوم بات يمثل شرطا وجوديا لوحدة البلد واستقراره في وجه رياح التغيير العاتية.
“جيل زد” والمرآة التي أقلقت الدولة
ربما أكثر ما ميز الخطاب الملكي هو الوعي المتقد بصوت الشارع الجديد. الجيل المسمى “Z” لم يعد يعبر عن احتجاجه عبر وسائل تقليدية، بل جاء بسلاح الرقمنة، وسقف عال من المطالب، وأسلوب مباشر لا يعرف المجاملات. لم يغفل الملك هذه الحقيقة، بل عبر عنها دون أن يدينها، قائلا “سمعنا الرسالة، ويجب أن نحسن الإصغاء لها بدل محاربتها”.
هنا يستعاد قول المفكر الفرنسي ريمون آرون: “الديمقراطية لا تقاس فقط بحرية القول، بل بقدرة الدولة على الإنصات.” وقد أنصت العرش.
التنمية الترابية.. من خطاب النخبة إلى أولوية العرش
عندما يتكرر مفهوم التنمية الترابية في خطاب العرش ثم خطاب البرلمان، فإن الرسالة واضحة: لم تعد قضية تهيئة المدن أو توزيع المشاريع مجرد اختصاص وزاري، بل أصبحت مشروعا ملكيا.
قالها الملك بوضوح: “يجب تسريع وتيرة المشاريع، وضمان توزيع عادل للفرص والتنمية بين كل الجهات”.
وفي عبارة دقيقة تستدعى من الخطاب الملكي:
“لايمكن قبول استمرار الفوارق بين مناطق المغرب النافع والمغرب غير النافع. التنمية يجب أن تكون شاملة، أو لاتكون.”
هذه الكلمات تعيد إلى الأذهان قول المهاتما غاندي: “الفقر هو أسوأ أشكال العنف.”، إذ لا يمكن لمناطق مثل آيت بوكماز، التي ذكرت ضمنا في خلفية الخطاب، أن تبقى على هامش الخريطة، بينما ترسم استراتيجيات كبرى من الرباط.
مواجهة البيروقراطية… وسؤال الفعالية
أعاد الملك التشخيص لما هو معروف منذ زمن: الإدارة تعاني من بطء، وتعقيد، بل وأحيانا من انعدام الضمير. لكنه هذه المرة حمل المسؤولية بصيغة مباشرة وغير مسبوقة:
“المشكل ليس في الإمكانيات،بل في العقليات.”
هنا يستحضر قول نيلسون مانديلا: “العظمة لا تأتي من السلطة، بل من قدرة القائد على تغيير العقليات.” وهو ما يسعى إليه العاهل المغربي، حين يلمح إلى أن الإصلاح ليس فقط في القوانين، بل في نفوس من يفترض أنهم خدام الشعب.
من الخطب إلى الأفعال: هل تلتقط الحكومة الإشارة؟
يبدو أن الكرة الآن في ملعب الحكومة والبرلمان، ومن خلالهم باقي المؤسسات الترابية. المطلوب اليوم ليس فقط تنفيذ التوجيهات، بل إبداع حلول جذرية تلامس الواقع، وتصل إلى المواطن في جبال الأطلس، كما في موانئ الشمال، وفي حقول سوس كما في أحياء الدار البيضاء.
لقد قالها الملك الراحل الحسن الثاني ذات مرة:
“إذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإن الممكن في المغرب هو ما نصنعه بإرادتنا.”
وهذا ما يجب أن يدركه الجميع اليوم: أن لحظة الحقيقة قد حانت، وأن الشرعية تبنى على الفعل لا على الخطابة، وعلى النتائج لا على النوايا.
خلاصة القول: صوت الجغرافيا أعلى من صوت السياسة
إن التنمية الترابية ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل هي حق دستوري، وإنساني، وأخلاقي. وإذا كان العرش قد حمل هذا الهم بنفسه، فإن على بقية مؤسسات الدولة أن تتجاوز ثقافة التبرير، وتنتقل إلى ثقافة الإنجاز.
قد يبدو أن المغرب اليوم، بفضل يقظة العرش، بدأ يستعيد صوته، ويهتدي ببوصلة جديدة، اسمها العدالة المجالية.
الشارع قال كلمته. والملك التقطها. والوقت الآن ليس للسجال، بل للعمل.
