مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
إعداد / عبد الكامل بوكصة
لم تعد الصحافة البيئية مجالاً هامشياً في العمل الإعلامي، بل أضحت في قلب النقاش العمومي، بحكم ارتباطها المباشر بقضايا الماء والمناخ والطاقة والغابات والتنوع الحيوي والصحة والاقتصاد. فالبيئة ليست قطاعاً منفصلاً، بل إطاراً جامعاً يمس مختلف المجالات: من الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، إلى التخطيط الحضري والهجرة والعيش الكريم. ومع ذلك، يظل الاشتغال في الصحافة البيئية بالمغرب مهمة معقدة، تتقاطع فيها صعوبة الميدان مع ضعف الولوج إلى المعلومة، وغياب التخصص المهني الكافي.
في السنوات الأخيرة، تصاعد حضور القضايا البيئية في الخطاب الرسمي، خصوصاً مع توالي سنوات الجفاف، وتراجع المخزون المائي، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد التحذيرات من الإجهاد المائي. غير أن هذا الحضور لا يوازيه دائماً تطور في التغطية الإعلامية المتخصصة، التي ما تزال في كثير من الأحيان موسمية ومرتبطة بالمناسبات، بدل أن تكون خطاً تحريرياً دائماً قائماً على المتابعة والتحقيق والمساءلة.
الخبر البيئي في المغرب ليس دائماً خبراً “كبيراً” أو دولياً. أحياناً يكون محلياً جداً: انقطاع الماء عن أحياء أو قرى، احتجاج ساكنة على مطرح نفايات، نفوق أسماك في نهر، أو تلوث هواء قرب منطقة صناعية. هذه الأخبار المحلية تمثل المدخل الحقيقي لفهم الاختلالات البيئية. من انقطاع التزود بالماء الصالح للشرب في بعض المناطق خلال فترات الجفاف، إلى تقارير حول تراجع حقينة السدود، مروراً بحرائق الغابات في مناطق الشمال والأطلس، وزحف المقالع، وتوسع مطارح النفايات، وتلوث بعض الأودية، ومشاريع تحلية مياه البحر، وبرامج الطاقات المتجددة الشمسية والريحية، كلها أمثلة على أخبار بيئية مغربية تستدعي قراءة صحافية متخصصة تتجاوز البلاغ إلى التحليل.
أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحافي البيئي يتمثل في صعوبة الوصول إلى المعلومة. فرغم وجود إطار قانوني للحق في الحصول على المعلومات، فإن المعطيات البيئية — مثل جودة المياه، وتلوث الهواء، وتدبير النفايات، واستغلال المقالع، وتأثير المشاريع الكبرى على النظم البيئية — لا تُنشر دائماً بشكل دوري ومفتوح. وغالباً ما تأتي في صيغ تقنية مغلقة تحتاج إلى تبسيط وفهم علمي. هنا لا يكون دور الصحافي أن يصبح عالماً، بل أن يتعلم كيف يطرح الأسئلة الصحيحة: من يستفيد؟ من يدفع الثمن؟ من يقرر؟ ومن يُقصى عن القرار؟
المعلومة الرسمية ليست نهاية الطريق، بل بدايته. الصحافة البيئية الحقيقية تنقل الموضوع من خبر إلى تحقيق: تربط بين الأرقام والواقع، بين السياسات العمومية وأثرها الميداني، وبين المشاريع والساكنة المتأثرة بها. فهي لا تكتفي بنقل إعلان عن محطة لمعالجة المياه العادمة، بل تسأل عن نجاعتها، وكلفة صيانتها، وتأثيرها الفعلي على الفرشة المائية وصحة السكان.
ميدانياً، يشتغل الصحافي البيئي في ظروف أصعب من كثير من التخصصات الأخرى. فملفاته توجد في الغابات والسواحل والمناجم والمناطق الصناعية والقرى المتضررة من العطش وتدهور التربة. التحقيق البيئي يتطلب وقتاً وتنقلاً وميزانية وتجهيزات، في وقت تعاني فيه غرف التحرير من ضغط الموارد. كما أن بعض القضايا ترتبط بمصالح اقتصادية قوية، ما يجعل الاقتراب منها محفوفاً بالحذر والضغوط.
إلى جانب ذلك، تبرز هشاشة البنية المهنية للصحافة البيئية، حيث يشتغل عدد من الصحافيين بشكل فردي، في غياب شبكات متخصصة. بينما التلوث لا يعرف الحدود، والجفاف لا يحمل جواز سفر، ما يجعل التعاون العابر للمناطق والحدود ضرورة لا ترفاً: شبكات لتبادل البيانات، والخبرات، وإنجاز تحقيقات مشتركة حول الماء، والتلوث، وسلاسل الإنتاج الملوِّثة.
الصحافي البيئي مطالب أيضاً بالتزام أخلاقيات صارمة: لا تهويل ولا تبخيس، لا تضليل علمي ولا ترويج لمعلومات غير دقيقة، ولا تواطؤ ولا تمييع. فالأخبار البيئية تمس صحة الناس وأمنهم المعيشي، والخطأ فيها مكلف. المطلوب خطاب مهني متوازن يشرح المخاطر دون نشر الذعر، وينتقد السياسات دون الوقوع في الشعبوية.
تقوية الصحافة البيئية في المغرب تمر بخطوات عملية: تخصيص وقت للتعلم في قضايا المناخ والماء والطاقة والنظم البيئية، بناء شبكة خبراء وباحثين، تعلم استخدام البيانات، الدفاع عن الحق في المعلومة، والنزول إلى الميدان بدل الاكتفاء بالكتابة من المكتب. كما أن ربط البيئة بالثقافة المحلية والفنون والتربية يمكن أن يوسع اهتمام الجمهور، ويجعل الوعي البيئي جزءاً من النقاش المجتمعي اليومي.
في النهاية، الصحافة البيئية ليست رفاهية ولا موضة تمويلية عابرة، بل مسألة حياة. في غياب صحافي بيئي يقظ، تُصاغ السياسات العمومية دون مساءلة كافية، وتضيع حقوق الأجيال القادمة في الماء والتربة والتنوع الحيوي. ومن الخبر العابر تبدأ الحكاية، لكن بالتحقيق العميق فقط تُبنى المساءلة.

