Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الجزائر على مفترق طرق: الحراك الشعبي يتحدى القمع والنظام يفقد مصداقيته الإعلامية..كتبته/ ميمونة داهي

تعيش الجزائر مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، حيث يجد النظام القائم نفسه في مواجهة مباشرة مع حراك شعبي متجدد، يطالب بإصلاحات جذرية تعكس تطلعات الشعب الجزائري نحو الحرية والعدالة. وفي الوقت الذي يحاول فيه النظام استعادة السيطرة عبر حملات إعلامية وقمع أمني واسع، يتنامى زخم الحراك الرقمي والميداني، مؤكدًا أن صوت الشعب لا يمكن إسكاتُه بسهولة.

منذ اندلاع الحراك الشعبي في فبراير 2019، الذي أبطأ وتيرته ظهور فيروس كورونا، و بعدها حملات القمع و الاعتقالات التي شنها النظام على الشعب، إلا أنه استمر في التقدم و نجح الجزائريون في تحويل حركتهم من مظاهرات ميدانية إلى فضاء رقمي، معتمدين على الوسوم مثل “#مانيش_راضي” للتعبير عن رفضهم للسياسات الحالية.حيث أصبح هذا الوسم رمزًا للرفض الشعبي ووسيلة فعالة لتوثيق الانتهاكات وتبادل الأفكار حول مستقبل البلاد.

النظام، الذي أزعجه الحراك الرقمي، ردّ بإطلاق حملة تحت شعار “أنا مع بلادي”، تهدف إلى استقطاب الجمهور وإضعاف زخم الحراك. إلا أن هذه الحملة جاءت بنتائج عكسية، حيث اعتبرها الشعب محاولة فاشلة لتجميل صورة نظام فقد مصداقيته داخليًا وخارجيًا.

أحد أبرز الأدوات التي استخدمها النظام في حملته “أنا مع بلادي” هي إعادة تدوير وجوه إعلامية وصحفية ومؤثرين سبق أن وظفهم لتشويه صورة دول أخرى، وخاصة المغرب. هؤلاء الأشخاص، الذين اعتادوا مهاجمة المغرب وترويج الدعاية الرسمية، أصبحوا اليوم وجهًا للحملة الداخلية. إلا أن هذه الاستراتيجية ارتدت على النظام، حيث فقد هؤلاء الأفراد مصداقيتهم لدى الشارع الجزائري. و الشعب، الذي أصبح أكثر وعيًا بآليات التلاعب الإعلامي، رأى في استخدام هذه الوجوه دليلًا على إفلاس النظام واستمراره في تجاهل مطالب الشعب الحقيقية.

لم يقتصر الرد الرسمي على الحملات الإعلامية، بل شمل أيضًا تصعيد القمع الميداني، حيث شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة استهدفت نشطاء بارزين. من بين أبرز الضحايا، الشاب ريان مكي، الذي اعتقل بطريقة تعسفية شملت مصادرة أجهزته الإلكترونية ومنع عائلته من معرفة مكان احتجازه. هذه الحادثة أثارت موجة غضب عارمة في الشارع الجزائري، حيث وجهت والدة ريان نداءً مؤثرًا طالبت فيه بالإفراج عن ابنها ودعت إلى استمرار النضال ضد الظلم. الحادثة سلطت الضوء على تزايد الانتهاكات الحقوقية، مما دفع النشطاء إلى تصعيد التعبئة الشعبية والرقمية.

في خطوة عكست قلق النظام من تصاعد الحراك، أشار الرئيس عبد المجيد تبون إلى وسم “#مانيش_راضي” خلال كلمته في لقاء “الحكومة-الولاة”. اعتُبرت هذه الإشارة دليلًا على إدراك النظام للتأثير المتزايد للحراك الرقمي، ومحاولة للالتفاف عليه. إن حضور قائد الأركان سعيد شنقريحة إلى جانب الرئيس في اللقاء أضاف بعدًا عسكريًا للمشهد، حيث رأى المراقبون أن الجيش يسعى لدعم النظام في مواجهة أزمة متفاقمة. إلا أن هذه الخطوة لم تخفف من شعور الشعب بأن النظام يعاني من ارتباك واضح في مواجهة المطالب الشعبية.

مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد الغضب الشعبي، يجد النظام نفسه أمام خيارات محدودة:

1. الاستمرار في سياسة القمع: قد يمنح هذا النهج استقرارًا مؤقتًا، لكنه سيزيد من عزلة النظام داخليًا وخارجيًا، وسيساهم في تعزيز وحدة المعارضة وتصعيد المطالب.

2. الانفتاح على مطالب الشعب: عبر إطلاق حوار وطني شامل يشمل كافة الأطياف السياسية والاجتماعية، والإفراج عن المعتقلين، وبدء إصلاحات سياسية جذرية.

مشهد القمع الإعلامي واستخدام وجوه فقدت مصداقيتها لم يؤدِ إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين النظام والشعب. الجزائريون، الذين أظهروا وعيًا متزايدًا بأساليب التضليل، يرفضون العودة إلى الوراء، ويصرون على بناء دولة تحترم حقوقهم وتضمن لهم العدالة والمساواة. و بينما يحاول النظام كسب الوقت، يواصل الحراك الشعبي والرقمي إرسال رسالة واضحة: لا مكان للتراجع عن المطالب المشروعة. الجزائريون مصممون على تحقيق التغيير، سواء عبر الفضاء الرقمي أو الميدان، مستندين إلى إرث طويل من النضال ضد الظلم.

الوضع الحالي يضع الجزائر أمام مفترق طرق حاسم. إما أن ينصت النظام لصوت الشعب ويبدأ عملية إصلاح جادة، أو يواصل سياساته القمعية التي قد تدفع البلاد نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

في النهاية، تبقى الإرادة الشعبية العامل الأقوى في المشهد الجزائري، تؤكد أن التغيير قادم، مهما طال الزمن.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...