مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أخر خبر
في ظل الدينامية التشريعية التي تعرفها السياسة الجنائية بالمغرب، واستجابة للتحديات المتنامية التي تواجه العدالة الزجرية، احتضنت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، يوم الخميس 24 يوليوز الجاري، ندوة علمية تحت عنوان: “قانون العقوبات البديلة: غايات التشريع ومقومات التنزيل”. وقد مثّل هذا اللقاء العلمي منصة مؤسساتية وفكرية هامة لمناقشة القانون 43.22، الذي يشكل تحولا نوعيا في فلسفة العقوبة، من خلال مقاربة جديدة تقوم على التوازن بين الزجر، الإصلاح، وإعادة الإدماج.
انعقاد هذه الندوة جاء في سياق وطني يشهد إعادة نظر شاملة في أسس السياسة الجنائية، خاصة أمام التحديات البنيوية التي تواجهها المؤسسات السجنية، وعلى رأسها الاكتظاظ، ضعف آليات الإدماج، وارتفاع معدلات العود، إضافة إلى تصاعد الدعوات، وطنياً ودولياً، بضرورة ملاءمة العقوبة مع معايير حقوق الإنسان، في أفق تحقيق عدالة ذات بعد إنساني ومستدام.
الندوة تميزت بحضور نخبة من الفاعلين القضائيين والأكاديميين، يتقدمهم الأستاذ عبد الكريم الشافعي، رئيس المحكمة الابتدائية، ونقيب هيئة المحامين، وعدد من القضاة، وكلاء الملك، أطر السجون، طلبة باحثين وممثلي وسائل الإعلام، ما ساهم في تنوع الرؤى وإثراء النقاش حول إمكانيات وقيود تنزيل هذا القانون.
من أبرز مداخلات اللقاء، قدم الأستاذ عبد الصمد البردعي، النائب الأول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، قراءة نقدية معمقة للقانون 43.22، معتبرا أن الانتقال من العقوبات التقليدية إلى نظام يدمج العقوبات البديلة، لا يعد مجرد تعديل تقني، بل يمثل قطيعة فلسفية مع النموذج العقابي الكلاسيكي. وأكد أن هذا التحول يروم “أنسنة العقوبة” وترشيد استخدامها، بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية ومتطلبات العدالة المعاصرة.
وتوقف البردعي عند الدور المركزي للنيابة العامة، التي لم تعد فقط جهة متابعة، بل فاعلاً رئيسياً في هندسة وتنفيذ السياسة الجنائية الجديدة، من خلال تكييف الملفات واختيار العقوبة الأنسب لحالات بعينها، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وضمان إعادة إدماج الجاني.
ينص القانون 43.22 على مجموعة من التدابير الزجرية البديلة، من بينها: العمل لأجل المنفعة العامة، الغرامة اليومية، المراقبة الإلكترونية، برامج التأهيل والإصلاح، والمنع من ممارسة أنشطة أو الولوج إلى فضاءات معينة. ورغم ما تحمله هذه الصيغ من أبعاد إنسانية، فإنها تبقى رهينة بمدى قدرة منظومة العدالة على تفعيلها بفعالية ومصداقية، ودون المساس بجدية الردع.
في هذا الإطار، شدد الأستاذ البردعي على ضرورة إعادة تعريف وظيفة النيابة العامة بما يتلاءم مع روح الإصلاح، داعياً إلى انتقاء الملفات الأنسب للعقوبات البديلة، وتكوين الفاعلين في آليات تنفيذها، مع اعتماد دلائل مرجعية موحدة لتسهيل التنزيل الميداني.
ورغم الحماس النظري لهذا التحول، فقد أثار اللقاء جملة من التساؤلات الجوهرية، من بينها مدى تقبل الرأي العام لفكرة “عقوبة بلا سجن”، وقدرة الدولة على توفير الموارد البشرية واللوجستيكية لمواكبة التنفيذ، وكذا غياب تقييم مؤسساتي دقيق لنتائج هذا التوجه.
تلك التساؤلات، وإن بدت تقنية، إلا أنها تكشف الحاجة إلى تحول ثقافي ومجتمعي شامل، يقطع مع التصور الانتقامي للعقوبة، ويؤسس لرؤية جديدة قوامها الإدماج والإصلاح بدل الإقصاء والعزل.
اختتمت أشغال الندوة بتوصيات همّت أربعة مستويات رئيسية:
على المستوى التشريعي: إصدار نصوص تنظيمية دقيقة تؤطر بشكل واضح شروط تطبيق العقوبات البديلة.
على المستوى القضائي: تعزيز الاجتهاد القضائي في هذا المجال، وتوفير دلائل تطبيقية تسند عمل النيابة العامة والقضاة.
على المستوى المؤسساتي: دعم الإدارة القضائية والجهات المكلفة بالتنفيذ بالموارد اللازمة لتأمين فعالية التتبع والمراقبة.
على المستوى المجتمعي: تعبئة المجتمع المدني، الإعلام، والجامعات في حملات تحسيسية وتكوينية لترسيخ ثقافة العدالة الإصلاحية.
شكلت ندوة القنيطرة محطة تأسيسية في مسار تجديد العدالة الجنائية بالمغرب، حيث لم يعد الهدف مجرد تقليص عدد السجناء، بل إرساء فلسفة جديدة ترى في العقوبة وسيلة للإصلاح لا أداة للانتقام، وترتقي بالفعل القضائي إلى مستوى المسؤولية المجتمعية الشاملة. ويبقى الرهان الأكبر اليوم، ليس في توفر النصوص، بل في القدرة على جعلها واقعاً ملموساً ينعكس إيجاباً على الأفراد والمجتمع.

