Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من تجريم الإثراء غير المشروع إلى تجفيف منابع الريع .. برنامج رئيسة الحكومة المنصوري أمام امتحان التنفيذ

حين وقفت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان لتقديم برنامج حكومتها، لم تضع محاربة الفساد وتضارب المصالح في هامش الخطاب، بل جعلتهما جزءا من تعهد سياسي واضح. فقد أعلنت الحكومة عزمها على تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز آليات التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم استغلال أو إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات غير مشروعة، معتبرة أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات تمر عبر مواجهة الفساد وتضارب المصالح بفعالية. وهنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي لأن المغاربة لا يحتاجون اليوم إلى خطاب جديد عن النزاهة بقدر ما يحتاجون إلى أن يروا كيف يتحول هذا الخطاب إلى قوانين وآليات وقرارات ومحاسبة. والفرق كبير بين أن تقول الحكومة إنها ستحارب الإثراء غير المشروع، وبين أن تجعل من أين جاءت الثروة سؤالا مشروعا، ومن تضارب المصالح وضعا قابلا للرصد والمساءلة، ومن استغلال الموقع العمومي طريقا محفوفا بالمسؤولية القانونية.

لقد أصبح هذا الملف أكبر من مجرد ورش قانوني. إنه سؤال يتعلق بصورة الدولة نفسها، وبالثقة التي تحدثت عنها رئيسة الحكومة في برنامجها. فإذا كانت الثقة في المؤسسات تستعيدها الدولة بمحاربة الفساد، فإن المواطن سيبحث، بصورة طبيعية، عن نتائج ملموسة لهذه المعركة: ماذا سيتغير في الواقع؟ ماذا سيحدث للامتيازات غير المبررة؟ كيف ستراقب الدولة تضارب المصالح؟ كيف ستتعامل مع الإثراء الذي لا يجد تفسيراً مقنعا؟ وكيف ستضمن ألا تتحول المسؤولية العمومية إلى فرصة لبناء المصالح الخاصة؟

هنا تحديدا ينبغي أن يتجاوز النقاش ملف الإثراء غير المشروع بمعناه الضيق، ليمتد إلى البيئة التي تسمح بتكوين الثروة من خلال النفوذ والامتياز والريع.

فقد لا تحتاج الدولة دائما إلى البحث عن موارد جديدة بقدر حاجتها إلى وقف تسرب موارد موجودة أصلا. وهذه ليست فكرة اقتصادية مجردة، بل معادلة سياسية أيضا.

حين يستفيد شخص من امتياز عمومي لا يستند إلى معيار واضح، أو حين تتقاطع مصلحة خاصة مع موقع في السلطة، أو حين تتحول العلاقة مع دوائر النفوذ إلى وسيلة للحصول على منفعة من السوق أو الملك العام، فإن الدولة لا تخسر فقط قيمة مالية يمكن حسابها؛ إنها تخسر مبدأ تكافؤ الفرص، وتضعف المنافسة، وتخلق لدى المواطن شعوراً بأن هناك طريقين مختلفين للوصول إلى الثروة: طريق القانون والعمل والاستحقاق، وطريق النفوذ والعلاقات والامتياز. والطريق الثاني هو الأخطر. لأنه لا يسرق المال العام فقط، وإنما يسرق أيضا معنى العدالة.

من هنا، فإن الوعد الحكومي بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح ينبغي أن يقرأ باعتباره بداية لمعركة أوسع: معركة الانتقال من محاربة الفساد كشعار إلى تجفيف البيئة التي تنتج الفساد. وهذا يعني أن ملف الريع والامتيازات ينبغي ألا يبقى خارج النقاش. والمقصود هنا ليس إصدار أحكام مسبقة على أشخاص أو فئات، ولا تحويل الصحافة أو شبكات التواصل إلى محاكم بديلة. المقصود هو طرح الأسئلة التي يفترض أن تطرحها الدولة نفسها: ما معايير منح الامتياز؟ هل ما زال مبرره قائما؟ هل يستفيد منه صاحبه وفق القانون والمصلحة العامة؟ هل توجد حالات لتضارب المصالح؟ وهل هناك امتيازات يمكن أن تكون قد فقدت مبررها وأصبحت مجرد منفعة خاصة مستمرة؟ هذه الأسئلة ليست تشهيرا بأحد. إنها جوهر الحكامة.

وإذا كانت الحكومة تريد بالفعل استعادة ثقة المواطنين، فإن عليها أن تجعل هذه الثقة قابلة للقياس من خلال نتائج يمكن للمواطن رؤيتها، لا من خلال التصريحات وحدها.

فالبرنامج الحكومي، كما قدم أمام البرلمان، ليس مجرد وثيقة سياسية للاستهلاك المؤسساتي؛ إنه تعاقد سياسي ومؤسساتي، وبالتالي فإن ما ورد فيه بشأن النزاهة ومحاربة الفساد وتضارب المصالح سيصبح، منذ الآن، جزءا من سجل هذه الحكومة ومسؤوليتها السياسية. وقد وصفت رئيسة الحكومة نفسها البرنامج بأنه تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند إلى الثقة. وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت رئيسة الحكومة قد جعلت من محاربة الفساد وتضارب المصالح مدخلا لاستعادة ثقة المواطنين، فمتى تبدأ إجراءات التنفيذ؟ هل سنرى تشريعا فعالا للإثراء غير المشروع؟ هل سنرى منظومة أكثر صرامة لتضارب المصالح؟ هل ستتم مراجعة آليات التصريح بالممتلكات بما يجعلها أداة حقيقية للمراقبة لا مجرد إجراء إداري؟ هل ستفتح ملفات الامتيازات والريع وفق القانون وبعيدا عن الانتقائية؟ وهل ستصبح المحاسبة نتيجة طبيعية لاكتشاف المخالفة، أيا كان صاحبها؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد، في النهاية، قيمة الوعد الحكومي لأن المواطن لا ينتظر من الحكومة أن تعلن أن الفساد سيحارب؛ هو ينتظر أن يرى ماذا سيحدث عندما تصطدم محاربة الفساد بمصالح حقيقية، وبأشخاص حقيقيين، وبشبكات نفوذ حقيقية. هناك تحديدا يبدأ الاختبار.

فمحاربة الفساد سهلة حين تكون مجرد عنوان في برنامج حكومي، لكنها تصبح سياسة دولة عندما تصل إلى منطقة المصالح والامتيازات وتضارب المواقع.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام حكومة المنصوري ليس فقط أن تنجح في سن النصوص، وإنما أن تثبت أن هذه النصوص يمكن أن تطبق على الجميع، وأن موقع المسؤولية لا يمنح حصانة من المساءلة، وأن القرب من السلطة ليس بديلا عن القانون، وأن المال العام ليس مجالا مفتوحا لمن يملك النفوذ. ثم هناك الجانب الآخر من المعادلة، وهو لا يقل أهمية: ما الذي يمكن أن تستعيده الدولة إذا نجحت في هذه المعركة؟

قد تستعيد أموالا وموارد، وقد توقف نزيفا ماليا، وقد تحسن شروط المنافسة، وقد تحد من الاحتكار، وقد تعيد الاعتبار للاستحقاق. لكن المكسب الأكبر سيكون في مكان آخر: في استعادة فكرة أن الدولة لا تحمي فقط من يملك القوة، وإنما تحمي أيضا من لا يملكها. وهنا يصبح تجفيف الريع جزءا من السياسة الاقتصادية، ومحاربة تضارب المصالح جزءا من الإصلاح المؤسساتي، وتجريم الإثراء غير المشروع جزءا من حماية المال العام، والمحاسبة جزءا من إعادة بناء الثقة.

لقد رفعت رئيسة الحكومة سقف التزام حكومتها في هذا المجال. والآن لم يعد السؤال: هل تؤمن الحكومة بمحاربة الفساد؟ لقد أجابت عن ذلك أمام البرلمان.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الحكومة أن تحول هذا الإيمان المعلن إلى قرارات لا تخشى الاقتراب من مناطق النفوذ والمصالح والامتياز؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي لبرنامجها. وذلك أيضا هو المكان الذي سيتحدد فيه الفرق بين حكومة قدمت برنامجا جيدا، وحكومة استطاعت أن تجعل من برنامجها تعاقدا سياسيا قابلا للمحاسبة.

ففي نهاية المطاف، لا تقاس جدية محاربة الفساد بعدد المرات التي ترد فيها عبارة “النزاهة” في البرامج الحكومية، وإنما بعدد المرات التي ينتصر فيها القانون على النفوذ، والمصلحة العامة على الخاصة، والاستحقاق على الريع. وهناك، تحديدا، تبدأ المحاسبة السياسية للحكومة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا