مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تاريخيًا، كان تكريس التهميش السياسي المستمر في المجتمعمصدر أذى وهلاك. فالعزلة الاجتماعية تتفاقم حين تُبلور وتُنفّذالسياسات والبرامج اللاشعبية، مما يزيد من شعور الجماهيربالإقصاء والحرمان من خيرات أوطانها. وغالبًا ما تجد هذه الفئاتالمهمّشة نفسها خارج المنظومات التربوية والصحية والإنتاجيةلبلدانها.
في الماضي القريب، كانت وتيرة التواصل والتفاعل بين الأفرادبطيئة بفعل ضعف الوسائل التقنية، أما اليوم فقد تغيّر المشهدجذريًا. أصبحت المعلومة تنتشر بسرعة فائقة، وصار التعبير عنالمعاناة متاحًا وسهلًا بفضل الطفرة الرقمية وتطور الشبكاتالاجتماعية الذكية علميًا وتكنولوجيًا. وقد ساهم هذا التحول فينقل انشغالات المتضررين من هوس الهجرة نحو الخارج إلى وعيمتنامٍ بحقوقهم داخل أوطانهم، وإلى إيمانهم بضرورة النضال منأجل تحقيقها.
بات هؤلاء يدركون أن قيمة الإنسان لا تكمن في عزلته وانكفائهعلى ذاته، بل في احتكاكه بالغير، وفي تواجده في الساحة إلىجانب أمثاله للمطالبة بحقهم في الحياة والعيش الكريم. لقدصاروا يرون أن مصيرهم مرتبط بانخراطهم الجماعي لاستعادةقيمهم الإنسانية العليا، رافعين شعار **”الحرية والكرامة“**.
إنهم جيل الشباب المغربي، على غرار ما يُعرف بـ “جيل زيد Z“،الذي أفرز حركات احتجاجية كبرى فاجأت الجميع. لقد عكس هذاالجيل في تحركاته حالة من التوتر وعدم التجانس بين القولوالفعل والسلوك، وهو ما نتج عنه تمايز داخلي واضح:
فئة تمسكت بسلمية التظاهر والتعبير، وأخرى انزلقت نحو العنفوالتخريب بسبب هشاشة تنشئتها وضعف تراكمها المعرفي. هذهالفئة الأخيرة لم تستطع كبح مكبوتات الكراهية تجاه المختلفعنها، فاستباحت بعض الممتلكات العامة والخاصة، بما فيهاملكيات صغار التجار والحرفيين.
إن المتأمل في مختلف تجليات الحراك الاجتماعي والسياسيالراهن بالمغرب، يدرك بوضوح أن شباب البلاد ينقسم إلى فئاتمتباينة، تعاني بدرجات مختلفة من آثار فشل السياساتالعمومية، خاصة في مجالي التعليم والرعاية الصحية والتشغيل.
فالمنظومة التربوية المعترف بها كونيًا هي نسق معرفي لإنتاج نخبالمستقبل، تُبنى على كفاءة الأسرة وفعالية المؤسسات التعليميةوديمقراطية المؤسسات الدستورية. لذلك، تتصدر العناية بالطفولةوالشباب أولويات السياسات العمومية في الدول المتقدمة. فلكييكون الفرد نافعًا لذاته ولمجتمعه، لا بد أن ينشأ في كنف أسرةمتعلمة واعية، وتحت رعاية مؤسساتية متينة.
هذه الفئة الواعية من الشباب موجودة في المغرب (وهي أقلية)،سواء داخل مؤسسات التعليم الوطنية أو في المعاهد والجامعاتبالخارج. لقد خضعت ـ عن قصد أو صدفة ـ لتنشئة معرفيةجعلتها متميزة في وعيها وتمثلاتها.
إنها فئة شاءت الأقدار أن تتشرب من بيئتها الأسرية قيما جعلتهاترى في التفكير والعمل والمثابرة عناصر أساسية لهويتها. يمكنوصفها مجازًا بأنها “تيار ديكارتي“ (ثار أولياؤهم بشكل طبيعي على ضمير ذواتهم مبكرا)، إذ تتربى في أسر تُشجع أبناءها علىالتفكير النقدي والعمل الجاد، رغم الصراع الدائم بين ميولالشباب للراحة والترفيه وبين إلحاح الآباء على الاجتهادوالاستعداد للمستقبل.
هؤلاء الأولياء يلقنون أبناءهم أن وقت الطفولة والشباب هو زمنالواجبات لا زمن النضال الجماعي أو الإفراط في الترفيه، وأنالتركيز على بناء الذات هو أول الطريق نحو خدمة الغير والمجتمعلاحقًا. من هنا، يتعلم الجيل الصاعد انتقاء محيطه، والتفاعل معالأقران النافعين، في ضوء الفكرة الديكارتية القائلة بأن أساسهوية الشخص هو التفكير العقلاني في الذات والمحيط، ومن خلالهذا التفكير يعي المرء ذاته ويفهمها.
يعتمد مربّو هذه الفئة على المعرفة كأساس في تنشئة أبنائهم. فإلى جانب ميلهم الواعي أو غير الواعي للفكر الديكارتيوالعقلانية، تمتد رؤيتهم أيضًا إلى الفلسفة كما صاغها “مارتنهايدغر“ و“جون بول سارتر“ و “هيغل“.
بالنسبة لهايدغر، فإن الانغماس العشوائي في انشغالات الغيردون تكوين ذاتي راسخ يجعل الشاب عرضة للذوبان داخلالجماعة بمنطق القطيع. فالتكيف الاجتماعي في غياب التربيةوالتعليم لا ينتج إلا الجمود والانغلاق. وعندما تُحرم الجماعة منالتفكير والتربية، تتحول إلى سلطة رقيبة تضيق الخناق على كلإرادة تميّز داخلها.
أما “سارتر“، فيرى أن وجود الغير ضروري في حياة الفردالناضج فكريًا، لكنه وجود محفوف بالمخاطر، لأن الغير يميلبطبعه إلى الاستهانة بقيمة الآخر. لذلك، يجب أن يجعل الإنسانمن التأمل والتفكير عقيدةً في حياته، فبهما يستطيع أن يحولوجود الغير من تهديد إلى وسيلة لتقوية وعيه بذاته. حينئذ يدركالفرد أن التربية والتعليم والتفكير المستمر هي مفاتيح التفوقوالحرية والسعادة، وأنها السبيل إلى تموقع إيجابي في المجتمعوالمساهمة في تطويره.
أما “هيغل“، فقد قدم مفارقة بالغة الأهمية: فوعي الذات لا يتحققبالذوبان المبكر في الجماعة، بل عبر التنشئة على القيم الإنسانية،وأداء الواجب، والتفكير المتواصل في تجارب الحياة. وعندمايكتمل نضج الشاب من خلال احتكاك انتقائي بالمجتمع، يصبحمؤهلًا للتفاعل الواعي مع جميع أصناف الغير، فيحقق بذلك“الاعتراف بذاته“ ويساهم في ترسيخ قيم العدالة الاجتماعيةوالتنمية المشتركة.
خلاصة القول، إن تعريض الطفولة المبكرة للذوبان في عاداتالجماعة العامية هو بمثابة إعداد لقنبلة قابلة للانفجار عند مرحلةالوعي بالذات. ومن ثمّ، يتحمل كل راعٍ في المجتمع – من أسرةومؤسسات ومنظمات مدنية – مسؤوليته في حماية النشء. عليه أنيزرع في الطفل قيم الجد والاجتهاد والتفكير العقلاني الدائم، وأنيعلّمه أن الانتقاء الواعي للغير هو جزء من حقه في التنشئةالسليمة.
إن تسريع تراكم المعرفة لدى الأجيال الجديدة كفيل بجعلها فاعلةمؤثرة، قادرة على إقناع أقرانها بذكائها وتميزها، والإسهام فيبناء مجتمع “النحن“ بدل “الأنا“، مجتمع تتحول فيه الذات الفرديةإلى قوة جماعية، و“الأنا الآخر“ إلى شريك في بناء “الأناالأعلى“ الواعية بتحديات الحاضر والمستقبل.
