قراءة فلسفية في أسس العلاقات الإنسانية من خلال كتاب ” I and Thou”
شارك
بقلم / سلمى الجندر
في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية محصورة في الاعتبارات الشكلية والحسابات المادية والاجتماعية، يطرح الفيلسوف Martin Buber في كتابه ” I and Thou” تصورًا فلسفيًا عميقًا يمكن أن يساعدنا على فهم طبيعة العلاقات المعاصرة، ومن بينها العلاقة الزوجية.
فقد ميّز بين نمطين أساسيين من العلاقات الإنسانية: علاقة “أنا – أنت” (I–Thou) وعلاقة “أنا – هو” (I–It).
حيث تقوم علاقة “أنا – أنت” على الاحترام المتبادل والنظر إلى الآخر باعتباره كائنًا إنسانيًا فريدًا له قيمته الخاصة تميزه عن باقي الاشياء المادية، في هذه العلاقة لا يكون الآخر مجرد موضوع أو وسيلة، بل ذات إنسانية حاضرة بكل معناها.
في المقابل، تقوم علاقة “أنا – هو” على ما يمكن تسميته بالتعامل الأداتي مع الآخر؛ أي حين يُنظر إلى الطرف الآخر باعتباره وسيلة لتحقيق غاية معينة. وقد تظهر هذه العلاقة ليس فقط بين الإنسان والأشياء، بل حتى بين البشر عندما تقوم العلاقة على الاستعمال أو المصلحة.
وإذا حاولنا إسقاط هذا التصور على مسألة الاختيار في الزواج في عصرنا الحالي، سنجد أن بعض العلاقات الزوجية قد تبدأ أحيانًا من منطق أقرب إلى علاقة “أنا – هو”. فقد يتم اختيار شريك الحياة بناءً على اعتبارات شكلية كالمظهر، أو على اعتبارات مادية ومصلحية مثل المكانة الاجتماعية و الاقتصادية. وفي مثل هذه الحالة يتحول الطرف الآخر، ولو بشكل غير مباشر، إلى بضاعة (المرأة) او وسيلة لتحقيق منفعة معينة ( الرجل).
غير أن الزواج، إذا أُريد له أن يكون علاقة إنسانية متوازنة ومستقرة، يحتاج إلى الانتقال من هذا المنطق الأداتي إلى علاقة “أنا – أنت”. فحين يقوم الاختيار على معرفة حقيقية بالآخر باعتباره ذات إنسانية غير خاضع لمنطق التشيء، و الحرص على الاحترام المتبادل والاعتراف بقيمته الإنسانية. عندئذ لا يكون الطرف الاخر مجرد دور اجتماعي أو وسيلة لتحقيق غاية، بل إنسانًا كاملًا يُعترف بحضوره وقيمته، ، وهكذا تصبح العلاقة أكثر عمقًا وإنسانية.
وفي هذا السياق، يفتح الحديث عن المودة والرحمة والسكينة التي جعلها الله تعالى أساس العلاقة الزوجية مجالًا للتأمل في بعض التصورات الفلسفية التي يمكن أن تساعد على فهم كيفية تحقق هذه القيم في الواقع. فرغم أن الفيلسوف Martin Buber كان يهوديًا، فإن فلسفته الحوارية، خاصة كما عرضها في كتابه “I and Thou”، تقدم تصورًا إنسانيًا يمكن أن يسهم في إضاءة جانب من هذه القيم. ففكرة العلاقة القائمة على “أنا – أنت”، التي تقوم على الاعتراف بالآخر كإنسان كامل والحضور الإنساني الصادق والحوار والاحترام المتبادل، تقترب في معناها من تحقيق تحقيق المودة والرحمة والسكينة التي يؤكد القرآن الكريم حضورها في العلاقة الزوجية، حيث لا يكون الطرف الآخر مجرد وسيلة لتحقيق غاية، بل إنسانًا له قيمته وكرامته.
ومن هنا تتضح خطورة أن يُبنى الزواج فقط على اعتبارات شكلية أو اجتماعية، مثل المظهر أو المكانة أو المصلحة. وتزداد هذه الخطورة بشكل خاص عندما يكون اختيار الرجل لشريكة حياته قائمًا أساسًا على ما هو شكلي، كالجمال أو المظهر الخارجي. فالعلاقة التي تُبنى على هذا الأساس قد تبدو مستقرة في بدايتها، لكنها سرعان ما تنكشف عند أول اختبار حقيقي في الحياة. فإذا قدر الله و تعرضت الزوجة لظرف صحي أو تغير مظهرها بفعل ظروف الحياة ، فإن العلاقة التي قامت على الشكل قد تفقد تماسكها، لأن الأساس الذي بُنيت عليه لم يكن إنسانيًا عميقًا. وفي مثل هذه الحالة قد يتحول حضور الزوجة في نظر زوجها إلى ما يشبه “شيئًا” فقد قيمته بانتهاء السبب الذي كان سبب الاختيار ، كما لو كان الأمر متعلقًا ببضاعة انتهت صلاحيتها، وهو ما يكشف خطورة اختزال المرأة في معيار شكلي عابر بدل النظر إليها كإنسان كامل له قيمته وكرامته.
كما أن هذا الأمر لا يقتصر على الرجل وحده، بل يمكن أن ينطبق أيضًا على المرأة عندما يكون اختيارها لشريك الحياة مبنيًا أساسًا على الاعتبارات المادية. فإذا كان الدافع إلى الزواج هو المال أو المكانة الاجتماعية، فإن العلاقة قد تبدو مستقرة ما دامت تلك الظروف قائمة. غير أن هذه الصورة قد تتغير عندما يتعرض الزوج لظرف صعب، كأن يفقد عمله أو يمر بأزمة مادية. ففي مثل هذه الحالة قد تنكشف هشاشة العلاقة إذا كانت قد بُنيت منذ البداية على المصلحة، لأن الأساس الذي جمع الطرفين لم يكن إنسانيًا بقدر ما كان نفعياً. عندئذ قد يغيب الشعور بالمسؤولية المشتركة في مواجهة صعوبات الحياة وربما يترك احد الطرفين الاخر ويمضي باحثا عن بضاعة جديدة…
أما إذا قامت العلاقة منذ البداية على معرفة حقيقية بالآخر وعلى الاعتراف به كإنسان قبل أي اعتبار آخر، فإنها تكون أكثر قدرة على الصمود أمام مثل هذه الاختبارات، حيث يصبح التضامن والتكافل بين الزوجين تعبيرًا عن علاقة إنسانية عميقة تتجاوز الاعتبارات الشكلية و الحسابات المادية الضيقة.
وهكذا تتجلى أهمية هذه الرؤية الفلسفية في أنها تدعونا إلى نقل العلاقة من منطق المنفعة إلى منطق الاعتراف، وإلى تجاوز التعامل الأداتي مع الآخر. فالعلاقة الإنسانية الأصيلة تقوم على الحوار والتفاهم، وعلى الاعتراف المتبادل بإنسانية الطرف الآخر.
ورغم صعوبة تحقيق علاقة “أنا – أنت” في عالنا المعاصر الذي تغلب عليه الاعتبارات المادية والمصالح الفردية، فإنها تظل نموذجًا إنسانيًا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الاجتماعية.
ومن هنا ارى أن تحقيق المودة والرحمة والسكينة في الحياة الزوجية التي ذكرها الله تعالى في القران الكريم أمرًا مرتبطًا بعد اخلاص النية لله عز وجل والاختبار المبني على الدين والخلق- الى قدرة الزوجين بالدرجة الثانية على تجاوز منطق الاستعمال والمصلحة، والى قدرة كل منهما على رؤية الآخر كإنسان قبل كل شيء، والانتقال إلى علاقة إنسانية حقيقية قوامها الاعتراف المتبادل، و الحوار والاحترام والتكامل، والوقوف إلى جانب بعضهما في مختلف ظروف الحياة القاسية …