Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عندما يتحوّل الصحفي من باحث عن الحقيقة إلى صانع للأوهام: مأساة مهنية تهدد مصداقية الإعلام

لطالما اعتُبرت الصحافة مهنة شريفة تسعى لكشف الحقائق ونقل الوقائع بموضوعية ونزاهة، إلا أن هذه القيم تنهار عندما ينحرف الصحفي عن مساره ويصبح صانعًا للأوهام. هذا ما جسّده علي لمرابط مؤخرًا في حادثة أثارت استهجان الرأي العام، حيث قدّم شخصًا يحمل الجنسية الإسرائيلية على أنه “مقاوم فلسطيني”، في مشهد يتناقض مع كل منطق أو واقع.

كيف يمكن لشخص طوّع إرادته للحصول على جنسية دولة يفترض أنه يقاومها أن يُقدّم على أنه مناضل؟ إن المبدأ النضالي قائم على الثبات في المواقف والالتزام بقضية عادلة، وهو ما يتنافى تمامًا مع ازدواجية السلوك التي ظهر بها هذا المثال المثير للجدل. إن صفة المقاومة ليست بطاقة يُمكن توزيعها جزافًا لمن لا يتّسق مع قيمها ومبادئها.

ما فعله علي لمرابط ليس مجرد خطأ مهني، بل إساءة مباشرة لنضال الشعب الفلسطيني الذي خاض معارك مريرة في سبيل استرجاع حقوقه التاريخية. تقديم هذه القضية النبيلة في إطار مسرحية إعلامية هزلية هو اعتداء على معنويات شعب قدّم التضحيات والشهداء واصطفّت خلفه شعوب تؤمن بالحق والعدالة.

القضية الفلسطينية ليست بطاقة “جوكر” تُستخدم لتلميع صور مشبوهة أو لتسويق روايات واهية. إنها معركة وجودية دارت رحاها على مدار عقود، تحكي قصص الصمود والشرف. حين تُستغل هذه القضية لخدمة أجندات شخصية أو تبرير أفعال مشينة، يتحوّل الأمر إلى جريمة أخلاقية ومهنية.

إن الصحفي الذي يُزجّ بالقضية الفلسطينية في روايات مفبركة يخون الأمانة الصحفية ويُضعف النضال الحقيقي. القضية الفلسطينية ليست مجرد قصة إعلامية تُستخدم لجذب الانتباه، بل هي رمز لحقوق إنسانية مسلوبة وكفاح إنساني عادل يجب أن يُصان من التلاعب والسطحية.

ما زاد من فداحة هذا الانحراف المهني هو اعتماد لمرابط على مصدر إسرائيلي مجهول لتبرير روايته، في خطوة تتعارض مع أساسيات الصحافة التي تقوم على التحقيق الدقيق والمصادر الموثوقة. في عالم الإعلام، المصداقية هي حجر الزاوية، وأي اختلال فيها يؤدي إلى زعزعة ثقة الجمهور ويشوّه صورة المهنة برمتها.

الاعتماد على مصادر مشبوهة يعني التخلي عن أبسط القواعد المهنية، وهو ما يفتح الباب أمام موجات من الشك ويضع الصحافة أمام اختبار صعب لاستعادة ثقة الجمهور.

في ظل هذا التدليس الإعلامي، يبقى واجب الصحفيين الشرفاء والمراقبين المهنيين هو التصدي لهذه الظاهرة وكشف الزيف. فالصحافة الحقيقية لا تقبل بالتلاعب بالحقائق أو التضليل. إنها مهنة تتطلب شجاعة أخلاقية للوقوف في وجه الأكاذيب ونقل الحقيقة كما هي.

الحقيقة تظل الرصيد الأقوى الذي يمتلكه الإعلام النزيه، فهي كفيلة دائمًا بكشف الأكاذيب وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. وعندما تُسلب الحقيقة من الإعلام، ينكسر مبدأ المصداقية ويتحول المشهد الإعلامي إلى فوضى.

إن ما فعله علي لمرابط يمثل جرس إنذار لكل من يعتقد أن الصحافة مساحة للتلاعب والاختلاق. القضية الفلسطينية أسمى من أن تكون ورقة في لعبة المصالح الشخصية أو منصة للتضليل. على الصحفيين أن يتذكروا دائمًا أن مهنة الإعلام تحمل مسؤولية كبيرة تجاه الحقائق والجمهور، وأن احترام هذه القيم هو السبيل الوحيد للحفاظ على كرامة المهنة وثقة الناس.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...