مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قصة قصيرة
في صباحٍ رمضانيٍّ بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي، كأن الزمنقد خفّف وطأته ليمرّ متخفيا بين عموم الناس، كان الرجل جالسًاإلى طاولةٍ خشبيةٍ قديمة، يقلب بين أوراقٍ صفراء لم يعد يتذكّرمتى بدأ يجمعها. كانت كل ورقة تحمل آثار محوٍ متكرر، كأنهانجت من قرارات لم تُنفّذ أو أُلغيت في اللحظة الأخيرة.
منذ زمن، تعلّم أن يختصر العالم في جملتين.
حين طُرق الباب مرتين، فقط مرتين، رفع رأسه ببطء. لم يكنالطارق مفاجئًا، بل بدا كأنه متأخر. نهض، وفي داخله إحساسثقيل بأن هذا الطَّرْق قد حدث من قبل، أو كان ينبغي أن يحدثمنذ زمن ولم يحدث أو حدث بشكل آخر.
فتح الباب. امتدّ أمامه الحقل الأخضر، لكن لونه كان باهتًا،كأن الحياة فيه مؤجّلة. في الأعلى، كانت الغيوم متراكمة على نحوٍغير طبيعي، لا توحي بمطرٍ، بل بشيءٍ يشبه الامتناع عن المطر. وكأن السماء، مثل الأوراق التي على طاولته، اتخذت قرارًا ثمتراجعت عنه.
سلّمه ساعي البريد ظرفًا دون كلمة، ومضى.
ظلّ الرجل واقفًا عند العتبة، ينظر إلى الختم. ذلك الشمع لميكن غريبًا عليه. مرّر إصبعه عليه ببطء، كما لو كان يتحسّس أثرًاقديمًا… أو مسؤوليةً لم تُدفن جيدًا. فتح الظرف. ورقة واحدة.خطّ كوفيّ متماسك، لا يرتجف، لا يتردد، كما لو أن كاتبه لا يعرفالشك.
قرأ: … توقّف. ابتسم ابتسامةً واهنة، لا فرح فيها ولاسخرية. فقط اعترافٌ متأخر بشيءٍ كان يعرف أنه سيعود. أعادقراءة الجملتين، هذه المرة بعينٍ مختلفة، لا تبحث عن المعنى، بلتتحقق من التطابق.
“لم يغيّروا شيئًا…“ تمتم، بالكاد.
عاد إلى الطاولة. نظر إلى أوراقه القديمة. بعضها كانيحمل بدايات قرارات، وبعضها الآخر نهاياتٍ مبتورة. وفيالهامش، بخطٍ يشبه الخط في الرسالة، كانت تتكرر صياغاتمختلفة… لنفس العبارتين.
عندها فقط، بدأ الصوت. لم يأتِ من الخارج. لم يكن هتافًاجماعيًا كما تخيّل أول مرة. بل كان أشبه بتذكّرٍ قاسٍ، كأن الذاكرةنفسها قررت أن تتكلم دفعة واحدة.
“يا عمي… أين اختفيت؟“
“نحن في أمسّ الحاجة إليك…“
أغمض عينيه. هذه المرة، لم يشعر بالخوف. بل بشيءٍ أقربإلى الإرهاق.
نهض ببطء، واتجه نحو النافذة. كانت الغيوم قد اقتربتأكثر، حتى خُيّل إليه أنها تلامس السطح. للحظة، راوده يقينغامض أن ما في الخارج ليس سوى انعكاسٍ لما لم يُحسم بعدفي الداخل.
التفت إلى الطاولة. الورقة الجديدة اختفت. لكن إحدىالأوراق القديمة كانت مفتوحة، وقد أُضيفت إليها جملتان…بخطّه.
تقدّم نحوها، قرأهما، ثم سحب الكرسي وجلس. أمسكالقلم. تردّد قليلًا. ثم شطب إحدى الجملتين.
رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، لمع البرق… دون أنيتبعه صوت.
