Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تخاف السلطة من الأسئلة… من يحمي الحقيقة في ملف “دعم المواشي”؟

    

في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، لا تخشى الحكومات التحقيق، بل تخشى غيابه. أما حين تتحول كل محاولة لكشف الحقيقة إلى معركة سياسية، فإن الشك يصبح مشروعا، وتصبح الأسئلة أكثر إلحاحا من الأجوبة.

ما الذي يجعل ملف دعم استيراد المواشي يثير كل هذا التوتر؟ ولماذا يتحول مجرد طلب التحقيق البرلماني إلى موضوع يستنفر الأغلبية الحكومية بكل مكوناتها؟

ليست القضية في المطالبة بالتحقيق، بل في الإصرار على منعه.

يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: “كل من يملك السلطة يميل إلى إساءة استعمالها ما لم يجد من يراقبه”. ولذلك لم تخلق البرلمانات للتصفيق للحكومات، بل لمراقبتها ومساءلتها باسم المواطنين الذين يدفعون الضرائب ويمنحون الشرعية السياسية للمؤسسات.

المغاربة لا يطالبون بمعجزة. إنهم يريدون فقط معرفة كيف صرفت مليارات الدراهم من المال العام، ومن استفاد منها، ولماذا لم تنعكس على أسعار اللحوم التي وعد المواطنون بانخفاضها.

لقد قدمت للمستوردين إعفاءات جمركية وامتيازات مالية غير مسبوقة تحت شعار حماية القدرة الشرائية للمواطنين. لكن المواطن لم ير سوى ارتفاع الأسعار، بينما راكم بعض الفاعلين أرباحا ضخمة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين ذهبت الأموال؟

السؤال بسيط، لكن الجواب يبدو معقدا لدى من يرفضون فتح أبواب التحقيق.

الكاتب البريطاني جورج أورويل كان يقول: “في زمن الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا”. وربما لهذا السبب يبدو الإصرار على معرفة الحقيقة اليوم وكأنه فعل سياسي مزعج لبعض مراكز النفوذ.

الأخطر في هذا الملف ليس احتمال وجود اختلالات أو شبهات استفادة غير مشروعة، فهذه أمور يمكن أن يكشفها التحقيق أو ينفيها. الأخطر هو الرسالة التي تبعث إلى المجتمع عندما تغلق أبواب الرقابة قبل أن تبدأ.

فالسلطة التي تثق في براءتها لا تخشى الضوء.

أما السلطة التي ترتبك أمام الأسئلة، فإنها تدفع الرأي العام إلى الاعتقاد بأن هناك ما يستحق الإخفاء.

لقد كان بإمكان الأغلبية الحكومية أن تحسم الجدل بطريقة بسيطة: افتحوا التحقيق، ضعوا الوثائق أمام البرلمان والرأي العام، ثم دعوا الحقائق تتحدث. لكن ما حدث هو العكس تماما؛ مقاومة مستمرة لكل آلية رقابية يمكن أن تلامس الملف، وكأن المطلوب ليس كشف الحقيقة بل إطفاء النقاش حولها.

هنا نتذكر المقولة الشهيرة للرئيس الأمريكي جون كينيدي: “أمة تخشى أن تترك شعبها يحكم على الحقيقة والباطل في سوق الأفكار الحرة، هي أمة تخشى شعبها”.

ولأن المغاربة ليسوا قاصرين سياسيا، فإنهم يدركون أن تعطيل الرقابة لا يقتل الأسئلة، بل يضاعفها.

كلما تأخر كشف الحقيقة، اتسعت دائرة الشك.

وكلما أغلقت نافذة للمحاسبة، فتحت عشرات النوافذ للتأويل.

إن الديمقراطية لا تقاس بعدد الخطابات التي تتحدث عن الشفافية، بل بمدى استعداد أصحاب القرار للخضوع للمساءلة حين يتعلق الأمر بالمال العام.

فالمال العمومي ليس مال الحكومة، ولا مال الأحزاب، ولا مال لوبيات المصالح. إنه مال المواطنين.

ولهذا فإن القضية لم تعد قضية أغنام أو مواش أو إعفاءات جمركية فحسب، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لشعار ظل يرفع في المغرب منذ سنوات: “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

فإذا كانت مليارات الدراهم التي أنفقت باسم دعم القدرة الشرائية لا تستحق تحقيقا شفافا، فماذا يستحق التحقيق إذن؟

إن السؤال الذي يواجه الرأي العام اليوم ليس من استفاد من الدعم فقط، بل من المستفيد من غياب الحقيقة.

وعندما يصبح التحقيق مشكلة، بدل أن يكون حلا، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت ملفا اقتصاديا لتتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات.

والتاريخ السياسي يعلمنا درسا واحدا لا يتغير: الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. أما الثقة، فإذا ضاعت، فإن استعادتها تصبح أكثر كلفة من كل مليارات الدعم التي أنفقت.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...