مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس من الصعب، بعد الاستماع إلى الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، أن يلاحظ المتابع وجود رؤية استراتيجية متماسكة تضع المغرب على مسار التحول الاقتصادي والصناعي والطاقي والاجتماعي. فالخطاب لم يقتصر على استعراض منجزات السنة، بل قدم تصورا متكاملا لمغرب المستقبل، قائما على الاستثمار، والتنمية المجالية، والحماية الاجتماعية، والطاقات المتجددة، وتعزيز مكانة المملكة إقليميا ودوليا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: إذا كانت الرؤية واضحة، فلماذا لا يشعر المواطن بأن ثمارها تنعكس على حياته اليومية؟
هنا يبدأ الحديث عن الحكومة، باعتبارها الجهة المكلفة بتحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية ونتائج ملموسة.
منذ تعيين حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، رفعت شعارات كبيرة، من قبيل “الدولة الاجتماعية”، و”فرص”، و”أوراش”، و”لاستثمار”، و”التشغيل”. غير أن حصيلتها، مع اقتراب نهاية ولايتها، أصبحت محل نقاش واسع، ليس فقط داخل المعارضة، بل حتى لدى قطاعات من الرأي العام التي كانت تعقد عليها آمالا كبيرة.
فعلى المستوى الاجتماعي، لا تزال القدرة الشرائية للمغاربة تحت ضغط مستمر. ورغم بعض التدابير الحكومية، ظل الغلاء أحد أبرز العناوين التي طبعت الولاية الحالية، بينما لم ينجح الحوار الاجتماعي في احتواء مختلف الاحتجاجات القطاعية بصورة نهائية.
وفي ملف التشغيل، ورغم الإعلان عن برامج متعددة، ما تزال البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، تمثل تحديا حقيقيا، في وقت ينتظر فيه المواطن نتائج أكثر وضوحا على الأرض.
أما في قطاع الصحة، فرغم إطلاق ورش الحماية الاجتماعية وتعميم التأمين الإجباري، فإن المواطن ما زال يصطدم بإكراهات الولوج إلى العلاج، ونقص الموارد البشرية، وطول آجال المواعيد، وهو ما يجعل الإصلاحات تبدو في نظر كثيرين غير مكتملة الأثر.
وفي التعليم، ورغم الإصلاحات المعلنة، شهد القطاع توترات وإضرابات طويلة خلال الولاية الحكومية، بما عكس صعوبة تدبير أحد أهم الأوراش الوطنية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، واصل خلال السنوات الأخيرة تعزيز مكانته الدولية، واستقطاب استثمارات استراتيجية في صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما رسخ حضوره كشريك موثوق على المستويين الإفريقي والدولي، واستعد لاحتضان مشاريع كبرى مرتبطة بكأس العالم 2030، إلى جانب استمرار المشاريع المهيكلة في مجالات البنيات التحتية والموانئ والربط اللوجستي.
وهنا يبرز التباين بوضوح.
فالخطاب الملكي يتحدث عن مغرب يتقدم بثبات، بينما يعيش جزء من المواطنين انشغالات يومية مرتبطة بغلاء المعيشة، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية. وهذا لا يعني وجود تناقض بين الرؤية والواقع، بقدر ما يطرح سؤالا حول نجاعة التنفيذ الحكومي وقدرته على تحويل المشاريع الكبرى إلى أثر اجتماعي مباشر.
لقد أكد الملك في أكثر من مناسبة أن نجاح النموذج التنموي رهين بحسن التنفيذ وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما شدد على أن التنمية لا تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تبدو حكومة أخنوش مطالبة بتقديم حصيلة تقنع المواطنين بأن الوعود الانتخابية تحولت إلى واقع، وأن البرامج التي أعلنت عنها أحدثت تحولا ملموسا في حياتهم. فالتقييم الديمقراطي لأي حكومة لا يقوم على الخطاب السياسي وحده، بل على مؤشرات الأداء، وفعالية السياسات العمومية، ومستوى الثقة التي تتركها لدى المواطنين.
وفي النهاية، يبقى الفرق بين الرؤية والتنفيذ هو جوهر النقاش. فالرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك تضع أهدافا بعيدة المدى للمملكة، بينما تتحمل الحكومات مسؤولية تنزيلها عبر سياسات ناجعة وفعالة. وكلما اتسعت الفجوة بين الطموح والنتائج، برزت الحاجة إلى مراجعة أساليب التدبير، وتعزيز الحكامة، وتحقيق قدر أكبر من المساءلة.
فالمغاربة، في نهاية المطاف، لا يحاكمون الخطط على الورق، بل يقيسون نجاحها بما يلمسونه في معيشتهم اليومية، وجودة الخدمات التي يتلقونها، والفرص التي تفتح أمامهم. وهذه هي المعادلة التي ستبقى الفيصل في تقييم أي تجربة حكومية.
