مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
بين مشروعية توثيق اللحظات الدستورية وضرورة صون التمايز بين المؤسسات، يطرح الاختيار التواصلي لرئاسة الحكومة نقاشاً يتجاوز الشكل إلى جوهر الممارسة الديمقراطية: أين تنتهي الرمزية السيادية وأين تبدأ المسؤولية السياسية؟
بداية، نتقدم بخالص التهاني إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بمناسبة تعيينها رئيسةً للحكومة، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، مع أصدق المتمنيات لها بالتوفيق في تحمل مسؤولياتها الدستورية، والاستجابة لتطلعات المواطنات والمواطنين إلى حكومة فعالة، مسؤولة ومنفتحة على المجتمع.
غير أن اعتماد صورة تجمع رئيسة الحكومة بجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، غلافاً للصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة على موقع فيسبوك، يثير سؤالاً مؤسساتياً مشروعاً. لا يتعلق الأمر بالاعتراض على نشر صورة رسمية، فذلك يندرج ضمن التوثيق المؤسساتي المعتاد، بل بسؤال محدد: إذا تحولت هذه الصورة إلى عنصر ثابت في الهوية البصرية لمؤسسة دستورية قائمة بذاتها، فما الدلالات التي يحملها ذلك؟
وما يجعل السؤال ملحاً اليوم هو أن اللحظة لحظة تأسيس: فالخيارات التواصلية التي تُعتمد في بداية الولاية الحكومية كثيراً ما تستقر أعرافاً لباقي الولاية.
أرسى دستور 2011 هندسة مؤسساتية تقوم على تحديد الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات، مع الحفاظ على مكانة المؤسسة الملكية باعتبارها مؤسسة جامعة تتجاوز التنافس السياسي والحزبي.
فالفصل 42 ينص على أن الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها. ويضيف الفصل 46 أن شخص الملك لا تنتهك حرمته، وأن للملك واجب التوقير والاحترام.
في المقابل، ينص الفصل 89 على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، فيما يربط الفصل 88 استمرارها بثقة مجلس النواب. الحكومة إذن مؤسسة مسؤولة سياسياً، تُسأل عن حصيلتها وتخضع لآليات الرقابة والمحاسبة.
هذا التوزيع ليس تنظيماً شكلياً، بل يعكس فلسفة تميز بين مؤسسة جامعة تعلو على التنافس، ومؤسسة تنفيذية منبثقة عن التنافس الانتخابي وخاضعة للمحاسبة. ومن هنا السؤال: هل ينسجم اعتماد الصورة الملكية واجهةً للتواصل الحكومي مع روح هذا التمييز، أم أنه قد يضعف، ولو رمزياً، وضوح الحدود بين المؤسستين لدى الرأي العام؟
من الإنصاف أن نعرض الحجة المقابلة بقوتها كاملة. فالصورة توثق فعلاً دستورياً مؤسساً هو التعيين بمقتضى الفصل 47، وهو الفعل الذي تستمد منه رئيسة الحكومة صفتها. وحصول امرأة على هذا المنصب لأول مرة يمنح هذه اللحظة قيمة تاريخية يفهم معها الحرص على إبرازها.
هذه الحجة وجيهة، لكنها تبرر توثيق اللحظة ولا تبرر بالضرورة تحويلها إلى هوية. فالخبر المنشور والمؤرشف يوثق الحدث، أما صورة الغلاف فهي أول ما يراه المواطن عند زيارة الصفحة، وهي بذلك تعريف بصري بالمؤسسة أكثر منها خبراً عن نشاطها. ومن هنا أهمية عامل الزمن: إبراز الصورة في الأيام التالية للتعيين أمر مفهوم، أما استمرارها واجهةً للمؤسسة طيلة الولاية فيطرح سؤالاً مختلفاً.
وينبغي هنا التمييز بين مستويين. الأول هو المشروعية القانونية: لا يوجد مقتضى صريح يمنع هذا الاستعمال، ولا يمكن الجزم بأنه يشكل مخالفة. والثاني هو الملاءمة المؤسساتية، لأن ما لا يمنعه القانون ليس بالضرورة الاختيار الأمثل من منظور الحكامة الديمقراطية. والتواصل المؤسساتي ليس نشاطاً محايد الأثر، بل يساهم في تشكيل تصور المواطنين لطبيعة المؤسسات ومصادر شرعيتها.
ومن المفيد في هذا الصدد استحضار ممارسات الحكومات السابقة على المنصات نفسها، لمعرفة ما إذا كنا أمام عرف قائم أم أمام سابقة. وفي الحالتين يبقى السؤال قائماً: العرف لا يغني عن المرجعية الواضحة، والسابقة تستدعي النقاش قبل أن تستقر عرفاً.
صفة «الحكم الأسمى بين المؤسسات» هي مفتاح هذا النقاش. فالمؤسسة التي يعهد إليها الدستور بالتحكيم بين المؤسسات لا ينبغي أن تبدو، ولو بصرياً، كأنها جزء من هوية إحداها. وصون هذه المسافة الرمزية هو في حد ذاته تعبير عن واجب التوقير والاحترام الذي يكرسه الفصل 46.
وتزداد أهمية هذه المسافة لأن رئاسة الحكومة يتولاها، بحكم الدستور نفسه، مسؤول منبثق عن حزب سياسي. فالمؤسسة التنفيذية ستخوض معارك سياسية في البرلمان، وستواجه معارضة وانتقادات، وستعود إلى الناخبين في نهاية الولاية. وكلما ارتبطت واجهتها البصرية بالرمزية الملكية، ازداد خطر أن يُقرأ ذلك كانتقال للمكانة الرمزية إلى فاعل سياسي، أو أن تُستدرج المؤسسة الملكية، دون إرادة أحد، إلى سجال ليس من موقعها.
ولا يعني هذا افتراض وجود نية للتوظيف السياسي، بل التفكير في الضمانات الكفيلة بالفصل الواضح بين ثلاثة مستويات من التواصل: التواصل باسم الدولة، والتواصل باسم الحكومة، والتواصل باسم المسؤول السياسي وحزبه.
كرّس الفصل الأول من الدستور مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبناء عليه، لا ينبغي أن تستمد الحكومة حضورها التواصلي من قوة الرموز السيادية، بل من وضوح برنامجها وفعالية سياساتها وقدرتها على الإخبار والتفسير والخضوع للمساءلة. فالمواطن يحتاج أساساً إلى معرفة ما التزمت به الحكومة، وما أنجزته، وكيف يمكنه تقييم نتائج عملها.
غير أن المشكل أعمق من صورة بعينها: فالمغرب لا يتوفر بعد على مرجعية واضحة تؤطر التواصل الرقمي للمؤسسات العمومية. وقد اعتمدت ديمقراطيات عديدة، كالمملكة المتحدة، قواعد مكتوبة لحياد التواصل الحكومي تفصل بين إخبار المواطنين والدعاية الحزبية. ويمكن لميثاق مغربي للتواصل المؤسساتي الرقمي أن يعالج أربع مسائل على الأقل:
ويمكن لمثل هذا الميثاق أن يندرج ضمن التزامات المغرب في إطار شراكة الحكومة المنفتحة، وأن يُبنى بمنهجية تشاركية تجمع الإدارة والمجتمع المدني والمؤسسات الدستورية المعنية. ولعل بداية ولاية حكومية جديدة هي التوقيت الأنسب لذلك.
لا ينبغي أن تتحول هذه المسألة إلى سجال سياسي حول صورة بروتوكولية، ولا أن تُختزل في تفصيل تقني يتعلق بتصميم صفحة. فالسؤال ليس ما إذا كان يحق لرئيسة الحكومة نشر صورة تجمعها بجلالة الملك، بل ما إذا كان اعتمادها واجهةً للمؤسسة الحكومية هو الاختيار الأكثر انسجاماً مع فلسفة دستور 2011.
إن صون الرمزية الجامعة للمؤسسة الملكية وتعزيز استقلالية المسؤولية السياسية للحكومة ليسا هدفين متعارضين، بل ركيزتان متكاملتان لممارسة دستورية سليمة. ولعل أبلغ تعبير عن احترام المؤسسات لا يكمن في استحضار صورها ورموزها، بل في احترام اختصاصاتها وترسيخ المحاسبة على أساس الإنجاز.
فالدستور لا يحدد فقط من يمارس السلطة، بل يرسم الحدود التي تجعل المسؤولية واضحة، والمحاسبة ممكنة، والرمزية السيادية بمنأى عن أي التباس سياسي.
