مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
محمد التفراوتي
شهدت قاعة الندوات بكلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الأول بوجدة، يومي 27 و28 أبريل 2026، انعقاد مؤتمر أكاديمي دولي، شكل فضاء فكريا عالميا و ولادة حقيقية لنقاش سوسيولوجي مغربي يتسم بالجرأة والعمق. المؤتمر الذي نظمه مركز أبحاث للدراسات الاجتماعية والإنسانية وشعبة علم الاجتماع، تحت شعار “السوسيولوجيا الرقمية: التحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية في العصر الرقمي”، وبإشراف الأستاذ الباحث عبد الحق البكوري، جاء ليضع الجامعة المغربية في قلب “الإعصار الرقمي” الذي يعيد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع والفرد على حد سواء.
سياقات الانعقاد: العلم في خدمة السيادة الرقمية
إن قراءة هذا المؤتمر تقتضي العودة إلى السياق الاستراتيجي العام الذي يشهده المغرب. فالمملكة، من خلال رؤيتها “المغرب الرقمي 2030″، تطمح إلى تحول هيكلي يجعل من التكنولوجيا رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، لم يكن اهتمام شعبة علم الاجتماع بهذا الموضوع ترفا فكريا، بل استجابة لرهانات وطنية كبرى تتعلق ببناء السيادة الرقمية. وقد انطلق المؤتمر من وعي بضرورة “أنسنة” هذه التحولات، فالتكنولوجيا باتت فاعلا اجتماعيا نشطا يعيد صياغة العقد الاجتماعي المغربي.
في كلمته التأطيرية، رسم الأستاذ عبد الحق البكوري الأبعاد الاستراتيجية لهذا اللقاء، مؤكداً أن الهدف يتجاوز الأروقة الجامعية ليتقاطع مع الغايات المحورية للدولة المغربية. فالجامعة والمجتمع المدني مدعوان اليوم لمرافقة الأفراد والمؤسسات في مرحلة انتقالية كبرى، حيث يبرز دور السوسيولوجيا في رصد التغيرات التي طرأت على السلوك الجمعي والأنماط التفاعلية التي أفرزتها البيئات الافتراضية. إن التحول الرقمي، كما نوقش في الجلسات الأولى، هو إعادة صياغة جذرية للمجال العام والخاص، مما يستوجب وضع البحث العلمي في قلب مسار التنمية الشاملة.
الجلسة الافتتاحية: تشخيص الواقع واستشراف التحديات
تميزت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بتعدد مرجعياتها، مما منح النقاش طابعا تشاركيا غنيا؟ حيث وضع الأستاذ لحسن أوشني، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الإصبع على مكمن الداء حين أكد أن العالم المعاصر يعيش تحولات متسارعة في أشكال المعرفة وطرائق إنتاجها وتلقيها، وهو ما يفرض على الجامعة المغربية تحديا مزدوجا. مواكبة التقدم التقني والحفاظ على الرصانة العلمية.
من جانبه، شدد مدير مركز أبحاث الدراسات الاجتماعية والإنسانية، الأستاذ عبد الحق البكوري، على أن هذا المؤتمر يجمع بين البعد التوثيقي والتحليلي، ليكون منصة لتقديم حلول واقتراحات علمية منبثقة من صميم الواقع الاجتماعي. وفي هذا السياق، جاءت مداخلة مدير المديرية الجهوية للتعاون الوطني لتضفي بعدا واقعيا على النقاش، حيث استعرض مظاهر “الإقصاء الرقمي” بجهة الشرق، لا سيما في المناطق القروية وبين الفئات المسنة. لقد خلص النقاش إلى أن الإقصاء الرقمي اليوم يعد ظاهرة أعمق من الإقصاء التقليدي، كونه يحمل في طياتها ديناميات جديدة لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية، حيث يجد المواطن “غير المرقمن” نفسه معزولا عن خدمات الإدارة الحديثة.
أما الأستاذ فريد بوجيدة، ممثل شعبة علم الاجتماع، فقد أكد على ضرورة الجدية الأكاديمية في التعامل مع هذا الحقل الناشئ، محذرا من تبسيط ظاهرة الرقمنة أو اعتبارها استثناء خارجا عن منطق السوسيولوجيا، و يجب إخضاعها للمجهر الدقيق بأدوات نظرية ومنهجية متجددة تأخذ بعين الاعتبار التراكمات المعرفية المتوفرة.
خريطة التحولات: الذات والهوية في زمن السيولة
انتقلت أشغال المؤتمر إلى مستوى أعمق من التحليل عبر طرح إشكاليات الهوية والذات. فقد عالج الباحثون السؤال الفلسفي المتعلق بكيفية بناء الإنسان لهويته في الفضاء الافتراضي. وتتشكل الهوية من خلال التفاعل المادي ، لكن باتت تنسج في عوالم رقمية تطمس الحدود بين الواقع والمتخيل. هذا “الوجود الرقمي” أفرز طلبا جديدا على “الاعتراف الاجتماعي”، حيث أصبحت المنصات الرقمية هي المسرح البديل الذي يسعى فيه الأفراد لنيل الشرعية الرمزية وتحقق الذات.
وعلى مستوى البنية الأسرية، كشف المؤتمر عن مفارقة بنيوية مقلقة؛ فالاتصال الرقمي الذي يتيح تقاربا افتراضيا بين الأفراد المتباعدين جغرافيا، يفرز في الوقت نفسه تباعدا.حميميا داخل البيت الواحد. الشاشات اليوم باتت تلتهم “الزمن الأسري”، وتتداخل فيها حدود العمل مع حدود الحياة الخاصة، مما يستدعي، حسب المداخلات، إعادة التفكير في مفاهيم الخصوصية والحدود الفضائية بين المجالين العام والخاص.
الشباب والمواطنة الرقمية: هندسة الوعي الجديد
حظي محور الشباب والمشاركة السياسية بنصيب وافر من النقاش، حيث تم رصد ظاهرة الإدمان الرقمي من منظور “سيكو-سوسيولوجي” يتجاوز المقاربات الاختزالية. فالباحثون يرون أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، بل هي مسؤولية بنيوية تستوجب تدخل الفاعلين كافة. كما أثيرت مسألة “هندسة الوعي السياسي” لدى الشباب، حيث يجد الجيل الجديد في المنصات فضاء للتعبئة والمشاركة الافتراضية التي قد تغني عن الانخراط الميداني التقليدي، وهو ما يضع قيم الديمقراطية الكلاسيكية أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي جهة الشرق تحديدا، أثيرت مسألة اللامساواة الرقمية النوعية. فالباحثون لم يتحدثوا فقط عن “الفجوة الرقمية” من حيث التوفر على الإنترنت، بل عن “فجوة الاستخدام”، حيث تحوز المؤسسات والجهات القادرة على استثمار الذكاء الاصطناعي مزايا تنافسية هائلة، بينما تتراجع قدرات الفاعلين الأقل حظا، مما يكرس شكلا جديدا من أبعاد إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي في العصر الرقمي.
الثقافة والدين والإعلام: صراع النخب والقداسة
لم تكن التحولات الثقافية والدينية بمنأى عن التحليل السوسيولوجي الرصين. فقد ناقش المؤتمر كيف أحدث الرقمي زلزالا في صناعة المضامين والنشر والتلقي، مستحضرا مفهوم “الجحيم الرقمي” الذي يهدد مكانة النخبة الثقافية التقليدية التي كانت تحتكر الإنتاج الرمزي. وفي الجانب الديني، رصدت المداخلات بعدا أنثروبولوجيا بالغ الدلالة يتعلق بالانتقال من “قداسة المكان” إلى “سيولة اللامكان”، حيث يعيد الرقمي تشكيل التجربة الدينية وطقوسها وسلطاتها الرمزية في فضاءات عابرة للحدود والرقابة.
الورشات العلمية: تجديد العدة المنهجية للباحث السوسيولوجي
خصص اليوم الثاني من المؤتمر للجانب التطبيقي المنهجي، وهو ما منح اللقاء صبغة “مدرسة تكوينية” بامتياز. في ورشة “السوسيولوجيا الرقمية: مناهج ونظريات”، تم التأكيد على أن التحول الرقمي ليس سياقا خارجيا، بل عنصر بنيوي يعيد تشكيل موضوعات العلم ذاته. وتمت مناقشة تقنيات حديثة مثل “التقييم البيئي اللحظي” (EMA) وآفاقها في جمع المعطيات السوسيولوجية الحية.
أما ورشة “التحولات الاجتماعية في العصر الرقمي”، فقد ركزت على ديناميات الفعل الاحتجاجي الرقمي، وكيف أصبحت المنصات فضاءات لصناعة الرأي العام والتعبئة الجماعية. كما نوقشت العلاقة بين الرقمنة والهجرة، وكيف أعادت التكنولوجيا تشكيل تجارب المهاجرين وشبكات تضامنهم.
الدورات التكوينية: الإثنوغرافيا الرقمية وبناء الأطروحة
شكلت الدورات التكوينية إضافة نوعية للطلبة الباحثين، حيث ركزت دورة “الإثنوغرافيا الرقمية” على تحول الميدان البحثي من الحيز الفيزيائي المحلي إلى الميدان الرقمي الموزع. ونوقشت أدوات تحليل المضامين والتفاعلات، مع فتح نقاش جدي حول الجانب الأخلاقي (الإيتيقا) في ظل توظيف الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات. كما قدمت ورشة “بناء الأطروحة” خارطة طريق منهجية للطلبة، بدءا من تحديد الإشكالية وصولا إلى هندسة البنية العامة للأطروحة، لضمان تخريج أجيال من الباحثين بمهارات تتلاءم مع سوق الشغل الحديث.
نحو سوسيولوجيا رقمية مغربية: إصدار كتاب وتوصيات استراتيجية
من أبرز مخرجات هذا المؤتمر العلمي هو الإسهام الفعلي في رسم ملامح “سوسيولوجيا رقمية مغربية”. وقد تجلى ذلك في الاحتفاء بإصدار كتاب “السوسيولوجيا الرقمية: تحولات مفاهيمية ومسارات نظرية من المفهوم إلى المساءلة النقدية” للأستاذ عبد الحق البكوري. هذا المؤلف يمثل مرجعا أساسيا يجمع بين التنظير النقدي والانخراط الميداني، ويقدم اتجاهين متكاملين، وصفيا يرصد الظاهرة في تجلياتها، وفينومينولوجيا يساءل تجربة الذات المغمورة في الرقمي.
أفضى المؤتمر إلى توصيات استراتيجية تتقاطع مع أهداف “المغرب الرقمي 2030″، من أبرزها ضرورة ردم الفجوة الرقمية الجغرافية والاجتماعية، وتحديث الإدارة العمومية مع ضمان العدالة الإجرائية. كما نادى المشاركون بضرورة إدماج الذكاء الاصطناعي في البحث السوسيولوجي، وتطوير منظومة قانونية تحمي المواطنين من مخاطر الإدمان والجريمة الرقمية وانتهاكات الخصوصية.
الجامعة المغربية ورهان الأنسنة
يشار أن المؤتمر الدولي الأول للسوسيولوجيا الرقمية بوجدة فضلا عن كونه تظاهرة أكاديمية تنتهي بانتهاء جلساتها، فقد كان فعلا اجتماعيا اي لقاء بين الجامعة والمجتمع، وبين التنظير والواقع. لقد أثبتت جامعة محمد الأول بوجدة، من خلال هذا المحفل، أنها قادرة على أن تكون في قلب الرهانات الكبرى، وأن السوسيولوجيا حين تواجه الرقمنة تفكك المنطق وتساءل المفاعيل لتقدم بدائل معرفية تضمن بقاء الإنسان في قلب العملية التقنية. إن الرسالة التي انطلقت من وجدة واضحة: التحول الرقمي قدر، لكن توجيهه نحو أفق عادل وإنساني هو مسؤولية معرفية وأخلاقية تضطلع بها الجامعة المغربية بكل جدارة.
*وعلى هامش المؤتمر تم إجراء حوار مع الدكتور عبد الحق البكوري أستاذ باحث في علم الاجتماع الرقمي جامعة محمد الأول بوجدة*
سؤال: ما الذي يجعل تنظيم مؤتمر دولي حول السوسيولوجيا الرقمية اليوم أمرا ملحا؟
جواب الدكتور عبد الحق البكوري:
نحن نعيش تحولا جذريا يمس مختلف أبعاد الحياة الاجتماعية والثقافية والنفسية، ولم يعد بالإمكان فهم المجتمع المعاصر دون فهم تأثير الرقمنة والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي على الأفراد والمؤسسات. لذلك جاء هذا المؤتمر استجابة لحاجة علمية ومجتمعية ملحة، تهدف إلى وضع البحث السوسيولوجي في قلب التحولات التي يشهدها المغرب والعالم.
سؤال: كيف يرتبط هذا المؤتمر باستراتيجية “المغرب الرقمي 2030”؟
الجواب:
المؤتمر يندرج ضمن مواكبة الجامعة المغربية للرؤية الاستراتيجية للمملكة المتعلقة بـ”المغرب الرقمي 2030″، والتي تسعى إلى جعل المغرب قطبا رقميا إقليميا وتعزيز السيادة الرقمية الوطنية. نحن نعتبر أن التحول الرقمي فصلا عن كونه رهانا تقنيا أو اقتصاديا، فهو رهان اجتماعي وإنساني أيضا، لذلك حاول المؤتمر تحليل انعكاسات هذه التحولات على المجتمع المغربي وعلى العدالة الاجتماعية والمجالية.
سؤال: ما أبرز الأهداف التي سعى المؤتمر إلى تحقيقها؟
الجواب:
هناك مجموعة من الأهداف الأساسية. أولا، إبراز دور الجامعة والمجتمع المدني في مواكبة الانتقال نحو مجتمع رقمي دامج. ثانيا، تحليل قدرة الفاعلين الجهويين، خصوصا بجهة الشرق، على تنزيل آليات التحول الرقمي في خدمة التنمية المحلية. وثالثا، فهم السياسات العمومية الرقمية وتحليل أبعادها الاستراتيجية، مع التفكير في تأسيس مرصد وطني للسوسيولوجيا الرقمية يهتم بتتبع التحولات المجتمعية المرتبطة بالإنترنت والذكاء الاصطناعي.
سؤال: تحدثتم خلال المؤتمر عن “الفجوة الرقمية”، كيف تنظرون إلى هذه الإشكالية؟
الجواب:
الفجوة الرقمية لم تعد مرتبطة بغياب الوسائل التقنية أو ضعف الولوج إلى الإنترنت، فقد أصبحت فجوة نوعية تمس القدرة على الاستفادة من الرقمنة وإنتاج المعرفة الرقمية. هناك تفاوتات واضحة بين المجال الحضري والقروي، وبين الأجيال أيضا، خاصة لدى الفئات الأكبر سنا التي تجد صعوبات في التكيف مع الإدارة الرقمية والخدمات الإلكترونية.
سؤال: ما أهم التحولات الاجتماعية التي ناقشها المؤتمر؟
الجواب:
ناقشنا قضايا متعددة، من بينها تحولات الهوية في الفضاء الرقمي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على بناء الذات والانتماء، إضافة إلى التحولات التي تعرفها الأسرة والتنشئة الاجتماعية في ظل هيمنة الشاشات. كما تناولنا الإدمان الرقمي لدى الشباب، والعلاقة بين المنصات الرقمية والمشاركة السياسية، فضلا عن التحولات الثقافية والدينية والإعلامية التي فرضها العصر الرقمي.
سؤال: هل يمكن الحديث اليوم عن ميلاد “سوسيولوجيا رقمية مغربية”؟
الجواب:
نعم، وهذا أحد رهانات المؤتمر. نحن نعمل على بناء حقل معرفي ناشئ يجمع بين التنظير النقدي والانخراط الميداني. السوسيولوجيا الرقمية المغربية يجب أن تستفيد من التراكمات النظرية العالمية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بقراءة خصوصيات المجتمع المغربي وتحولاته الرقمية. لذلك اشتغل المؤتمر على تجديد المناهج، مثل الإثنوغرافيا الرقمية وتحليل البيانات الضخمة، وربطها بالواقع الاجتماعي المغربي.
سؤال: ما الذي يميز هذا المؤتمر عن باقي التظاهرات الأكاديمية؟
الجواب:
ما يميز هذا المؤتمر هو أنه فضاء للحوار بين الجامعة والمجتمع والمؤسسات والفاعلين المدنيين. كما جمع بين البعد العلمي والتكويني، من خلال الورشات والدورات التكوينية الموجهة للباحثين والطلبة، وهو ما يعكس رغبتنا في تكوين جيل جديد من الباحثين القادرين على فهم التحولات الرقمية ومواكبتها.
سؤال: ما الرسالة الأساسية التي خرج بها المؤتمر؟
الجواب:
الرسالة الأساسية هي أن الرقمنة يجب أن تكون في خدمة الإنسان والتنمية والعدالة الاجتماعية، لا أن تتحول إلى مصدر جديد للإقصاء أو إعادة إنتاج اللامساواة. ودور السوسيولوجيا اليوم تجاوز وصف التحولات الرقمية، وبات يتعداه إلى مساءلتها وتفكيك آثارها واقتراح بدائل معرفية وإنسانية تساعد على بناء مجتمع رقمي أكثر توازنا وعدالة.
