مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
” رغم أن الدستور يمنح للحكومة رئاسة وتدبير السياسات العمومية، يظل للملك صلاحية ضبط التوازنات الأساسية، والتدخل المباشر في الملفات الحساسة متى رأى المصلحة العليا للبلاد.”
“تكليف يعكس إرادة عليا في وضع ورش الانتخابات تحت عين السلطة السيادية، بهدف ضبط المسار وضمان الانسجام الوطني في ظرفية إقليمية ودولية معقدة.”
تكليف الملك محمد السادس لوزير الداخلية بالإشراف المباشر على التحضيرات الانتخابية القادمة، كما ورد في خطاب العرش الأخير، يمثل نقطة تحول بارزة في توزيع الأدوار بين المؤسسات الدستورية. فبينما كان من المعتاد أن يرأس رئيس الحكومة الاستعداد للانتخابات، كما حدث مع عبد الإله بنكيران سنة 2016، وسعد الدين العثماني سنة 2021، عاد الدور السيادي لوزارة الداخلية، إلى مركز مسرح الأحداث، مثيرا تساؤلات عميقة وانتظارات متعددة حول دلالات اللحظة الراهنة خصوصا حول حدود السلطة التنفيذية المنتخبة ودور الأحزاب في المشهد الديمقراطي.
يرى محللون سياسيون أن الإرادة الملكية هنا واضحة حيث الرغبة في ضبط الاستحقاق وتفادي اي ارتباك سياسي محتمل، خاصة مع ظروف إقليمية دقيقة وتحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة. هذا التكليف يؤكد أن المؤسسة الملكية ترى في الداخلية ضمانا أعلى لانضباط المسار الانتخابي وتحصين اللحظة السياسية.
أما الفقهاء الدستوريون، يعتبرون أن الملك يمارس صلاحياته الدستورية في تأمين توازن السلط، خصوصا إذا لم تطمئن المؤسسة الملكية للأداء السياسي والتنفيذي للحكومة في مرحلة مفصلية. إن تدخل الملك هو امتياز دستوري أصيل، يسمح له بتقويم المسار متى اقتضت المصلحة العليا، لاسيما حين يرى أن التوازنات مهددة أو أن الفاعلين السياسيين لم يبلغوا بعد مستوى النضج المطلوب لتحمل المسؤولية كاملة في لحظة حاسمة كهذه.
هذا القرار يشي، وفق العديد من المتتبعين، بتحول في الثقة السياسية، وربما مؤشر قوي على تراجع تأثير رئيس الحكومة الحالي، وعودة المنطق “السيادي” للحسم في مفاصل السياسة العمومية.
لكن بعين تحليلية ناقدة، تظل الإشارة الملكية واضحة: ” الديمقراطية مسؤولية مشتركة، وضمان السلم والشفافية يبدأ من إشراف جهة لديها القدرة والخبرة على ضبط الإيقاع “، ما يجعل سقف تطلع الأحزاب والمنتخبين للنضج المؤسسي مرهونا بمدى استعدادهم لتحمل المسؤولية وتجاوز منطق الاعتماد الدائم على سلطة فوقية.
بذلك، يبرز سؤال محدودية سلطة رئيس الحكومة، ووزن الأحزاب في معادلة القرار، خاصة إذا علمنا أن رهان الشفافية والرقابة البرلمانية لا يمكن أن يتحقق فعليا دون استقلالية نسبية للمؤسسات المنتخبة.
هذا التحول، وفق الكثير من المراقبين والمواطنين، حمل قلقا من عودة المنطق الأمني وهيمنة الداخلية على العملية الانتخابية. فالثقة في نزاهة المسار قد تصطدم بشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية أو عزوف الشباب عن صناديق الاقتراع، خاصة إذا بدا لهم أن النتائج مرسومة سلفا أو أن الأحزاب المنتخبة بلا قرار فعلي.
لكن في المقابل، هناك من يرى في هذا التكليف طمأنة وضبطا ضروريا للمرحلة، في انتظار أن ترتقي المؤسسات الحزبية إلى مستوى المسؤولية والثقة الملكية.
ختاما، تدبير الانتخابات في هذا الظرف الملتهب ليس مجرد تقنية، بل اختبار لمدى حيوية الفاعلين السياسيين وجدية المشروع الديمقراطي المغربي تحت رعاية ملكية صارمة. وما بين أيضا، رسائل العرش وإشراف الداخلية، حيث يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن للمشهد الحزبي أن يرتقي فعلاً ليكون شريكاً حقيقياً في القرار الوطني؟ وأن يكون مستقبل المشاركة رهينا بإجراءات فعلية تعيد للمواطن الثقة في العملية الانتخابية، وتثبت أن القرار السيادي يمكن أن يلتقي يوما ودوما مع طموحات الإصلاح السياسي الحقيقي.
