مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
يكاد المسار السياسي لمحمد الغراس، كاتب الدولة السابق المكلف بالتكوين المهني، أن يلخص، في فصوله العبثية، جانبا من معضلة المشهد الحزبي المغربي برمته. فهو نموذج صارخ لجيل من «النخب المدللة» التي ولجت مواقع المسؤولية من بوابات التكنوقراط والشهادات العليا، قبل أن تصطدم سريعا بواقع التدبير المحلي، حيث تسقط الشعارات أمام امتحان الحكامة والمسؤولية.
واليوم، ومع ارتمائه المفاجئ في أحضان حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، صاحب رمز «النخلة»، لخوض الاستحقاقات التشريعية بدائرة القنيطرة، يصعب قراءة هذا الترحال السياسي بمعزل عن سياقه. فالرجل يبدو وكأنه يبحث عن «طوق نجاة» سياسي يتشبث به، في وقت تلاحقه فيه أمام قضاء جرائم الأموال ملفات مالية ثقيلة.
تبييض الفشل بالترحال السياسي
استقالة الغراس من حزب الحركة الشعبية والتحاقه السريع بحزب عرشان لا تبدو، في سياقها الحالي، خطوة نضالية أو ثمرة مراجعة فكرية، بقدر ما تبدو أقرب إلى «بروباغندا» انتخابية غايتها البحث عن مظلة سياسية تقيه التهميش.
هذا النوع من «السياسة الحربائية» يعكس، في جانب منه، الأزمة التي تعيشها الأحزاب المغربية حين تتحول إلى ما يشبه «دكاكين انتخابية»، تمنح التزكيات لمن يملك النفوذ أو المال، بصرف النظر عن الأسئلة المرتبطة بنظافة الذمة المالية.
والغراس، الذي كان يتبجح بتمثيل «الشباب الحركي»، لم يجد حرجا في تغيير جلده السياسي سعيا إلى تأمين مقعد برلماني، في مشهد لا يفعل سوى تعميق أزمة ثقة المواطن في اللعبة السياسية برمتها.
قناع الأكاديمي وسقوط التدبير المحلي
يحمل محمد الغراس دبلومات من جامعة الأخوين ومن كوريا الجنوبية، وهي الواجهة التي سوّق بها نفسه لسنوات باعتباره نموذجا لكفاءة تسييرية حديثة.
لكن ما إن وُضع هذا التكوين في المحك الحقيقي لتدبير الشأن المحلي بجماعة «بنمنصور» القروية بالقنيطرة، حتى سقط قناع «الحكامة العصرية»، لتظهر، وفق ما تكشفه الملفات، ممارسات تنتمي إلى الأساليب الكلاسيكية في تدبير المال العام.
فالتقارير القضائية لا تتحدث عن مجرد أخطاء إدارية عابرة، وإنما تكشف عن اختلالات هيكلية في صفقات كراء السوق الأسبوعي، وسندات طلب مشبوهة، ومصاريف غامضة مرتبطة بأسطول السيارات.
وهذا السقوط المدوي يضع الشهادات الأكاديمية البراقة أمام سؤال أكثر قسوة: هل تصنع الشهادات مسارا سياسيا نزيها بالضرورة؟
التجربة تقول إن نخب «الصالونات» قد تفشل، في أحيان كثيرة، عند أول اختبار حقيقي لها مع مغرب الهامش والقرى، حيث لا تكفي اللغة الحديثة للحكامة، ولا تكفي الشهادات لتغطية نتائج التدبير.
قضاء جرائم الأموال: عندما تتحدث الأرقام وتصمت السياسة
يحاول الغراس، عبثا، استعارة جبة «الضحية»، ومخاطبة الرأي العام من بوابة «المظلومية السياسية»، مقدما المتابعات القضائية باعتبارها مجرد تصفية حسابات ومؤامرة من خصومه.
غير أن هذا الخطاب يفتقد إلى الجرأة والمصداقية؛ فسحب جواز السفر، وإغلاق الحدود في وجهه كتدبير احترازي، وإحالته رفقة 18 متهما على قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال بالرباط، ليست إجراءات صادرة عن خصوم انتخابيين، وإنما هي مساطر ومحاضر أنجزتها أجهزة رقابية وقضائية، من بينها الدرك الملكي والوكيل العام للملك.
ومن ثم، فإن تحويل ملف قضائي صرف، تثار فيه شبهات وخروقات مالية، إلى «صراع سياسي»، لا يعدو أن يكون محاولة فجة وضعيفة لنقل النقاش من المسؤولية إلى المظلومية، ومن الوقائع إلى المؤامرة.
فحين تصبح السياسة وسيلة لإعادة تعريف الملف القضائي باعتباره استهدافا سياسيا، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام دفاع عن البراءة، أم أمام محاولة للهروب من المسؤولية الجنائية والأخلاقية عبر بوابة السياسة؟
إن ترشح محمد الغراس في القنيطرة، وهو يواجه قرارات منع السفر وشبهات مرتبطة بالفساد المالي، يمثل ذروة الاستهتار بالناخب المغربي.
إنها محاولة يائسة للاحتماء بـ«الحصانة البرلمانية»، أو توظيف المقعد البرلماني كورقة تفاوضية للضغط السياسي.
لقد ولى زمن الاختباء خلف المناصب الوزارية السابقة، ولم يعد ممكنا أن تتحول الصفة السياسية السابقة إلى جدار يحجب الأسئلة المطروحة حول المال العام وتدبير الشأن المحلي.
فإما أن يقدم الرجل دفوعات قانونية حقيقية تبرئ ذمته أمام قضاء جرائم الأموال، وإما أن يجد نفسه أمام المصير نفسه الذي انتهى إليه عدد من «كبار المنتخبين» الذين سقطوا، في الآونة الأخيرة، في مسار التطهير القضائي.
أما الرهان على «النخلة»، فقد يمنحه رمزا انتخابيا جديدا، وقد يمنحه فرصة لخوض معركة انتخابية جديدة، لكنه لن يمنحه صك براءة من الأسئلة المرتبطة بأموال «بنمنصور».
فالرموز الانتخابية تتغير، والأحزاب تتبدل، والتحالفات تتبدل معها، لكن المال العام لا يغير عنوانه بتغير الحزب..
أنجزته/ميمونة الحاج داهي
