مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست كل القرارات السياسية مجرد إجراءات تقنية أو تصويتات عابرة داخل قبة البرلمان. هناك لحظات تتحول فيها عملية التصويت إلى مرآة تعكس طبيعة التوازنات الحقيقية داخل الدولة، وتكشف من يمثل المصلحة العامة ومن يدافع عن مصالح خاصة، ومن ينظر إلى المستقبل بمنطق السيادة الوطنية ومن يراه بعين الحسابات الضيقة.
هذا ما حدث بالضبط عندما أسقط مجلس المستشارين مقترح قانون يرمي إلى تفويت أصول شركة “لا سامير” لفائدة الدولة، بما يفتح الباب أمام إعادة تشغيل المصفاة واستئناف نشاط التكرير بالمغرب، بالتوازي مع رفض مقترح قانون آخر يهدف إلى وضع آليات لتنظيم أسعار المحروقات والحد من تقلباتها وانعكاساتها القاسية على القدرة الشرائية للمواطنين.
قد يختلف السياسيون حول التفاصيل التقنية للمقترحين، وقد تتعدد المقاربات الاقتصادية بشأن جدواهما، لكن السؤال الجوهري يظل قائما: إلى جانب من يقف مجلس المستشارين عندما يتعلق الأمر بالطاقة والأسعار والسيادة الاقتصادية؟
لقد كان المفكر الفرنسي جان جاك روسو يقول إن “السيادة لا يمكن أن تمثل، لأنها قائمة أساسا على الإرادة العامة”. وعندما يشعر المواطن بأن المؤسسة التي تتخذ القرار بعيدة عن همومه اليومية، فإن الفجوة بين التمثيل والتمثل تصبح أعمق من مجرد خلاف سياسي.
فالمواطن المغربي الذي يواجه بشكل يومي أسعارا مرتفعة للمحروقات لا يرى في ملف الطاقة نقاشا نظريا، بل يراه في فاتورة النقل، وفي تكلفة السلع، وفي مصاريف الإنتاج، وفي القدرة الشرائية التي تتآكل سنة بعد أخرى. كما أن الحديث عن مصفاة وطنية متوقفة منذ سنوات لا يبدو بالنسبة إليه مجرد ملف استثماري، بل قضية ترتبط بالأمن الطاقي وبقدرة البلاد على امتلاك حد أدنى من الاستقلالية الاستراتيجية.
لقد علمتنا الأزمات الدولية الأخيرة أن الدول التي تفرط في أدواتها الإنتاجية الحيوية تصبح رهينة للأسواق الخارجية وتقلباتها. ولم يكن هنري كيسنجر يبالغ حين قال: “إذا كنت تتحكم في النفط فإنك تتحكم في الدول”. لذلك فإن النقاش حول “لا سامير” ليس نقاشا حول شركة فقط، بل حول موقع الدولة نفسها داخل معادلة الطاقة.
من اللافت أن أغلب الدول الكبرى، عندما تواجه أزمات استراتيجية، تعود إلى تقوية دور الدولة لا إلى إضعافه. فالولايات المتحدة دعمت صناعاتها الحيوية بمليارات الدولارات، والاتحاد الأوروبي أعاد التفكير في أمنه الطاقي، والصين تجعل من السيادة الاقتصادية عقيدة وطنية. وحدها بعض النخب في العالم النامي ما زالت تتعامل مع السوق وكأنه إله لا يخطئ، ومع الدولة وكأنها عبء يجب تقليصه باستمرار.
أما فيما يتعلق بأسعار المحروقات، فإن رفض أي محاولة لوضع آليات للضبط والتقنين يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الحرية الاقتصادية عندما تتحول إلى عبء اجتماعي. فالفيلسوف كارل بولاني كان يرى أن “السوق حين يترك وحده لقيادة المجتمع، فإنه يدمر المجتمع نفسه”. والسؤال هنا ليس ما إذا كان ينبغي إلغاء المنافسة أو التحكم الإداري في الأسعار، بل كيف يمكن حماية المواطنين من تقلبات لا يملكون أي قدرة على مواجهتها.
إن الديمقراطية ليست مجرد آلية للتصويت، بل هي قبل كل شيء انحياز للمصلحة العامة. وقد قال أبراهام لينكولن إن الديمقراطية هي “حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب”. وعندما يشعر الناس أن المؤسسات المنتخبة لا تعكس أولوياتهم ولا تستجيب لانشغالاتهم الأساسية، فإن أزمة الثقة تصبح أخطر من أي أزمة اقتصادية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكي في شرعية المؤسسات الدستورية، بل بطرح سؤال سياسي مشروع حول طبيعة التمثيلية التي تنتجها بعض البنيات الانتخابية غير المباشرة. فمجلس المستشارين، بحكم تركيبته وآليات انتخابه، يظل موضوع نقاش دائم حول مدى قربه من نبض الشارع ومن انتظارات المواطنين العاديين.
إن ما جرى في ملف “لا سامير” وأسعار المحروقات يعيد إلى الواجهة ذلك الصراع القديم بين منطقين: منطق يعتبر الدولة مجرد متفرج على السوق، ومنطق يرى أن الدولة مسؤولة عن حماية المصلحة العامة عندما تعجز آليات السوق عن تحقيق التوازن.
في النهاية، ليست القضية قضية مصفاة أو قانون أسعار فقط، بل قضية رؤية سياسية كاملة. هل نريد دولة تمتلك أدواتها الاستراتيجية وتدافع عن أمنها الطاقي وتحمي مواطنيها من الصدمات الاقتصادية؟ أم نكتفي بدور المتفرج على تحولات الأسواق العالمية وانتظارات الفاعلين الاقتصاديين؟
التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات، بل أيضا بقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية. وكما قال شارل ديغول: “الدول ليس لها أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة”. والمصلحة الدائمة للمغاربة اليوم تبدو واضحة: طاقة أكثر أمنا، وأسعار أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر التصاقا بانشغالات المواطنين.
