Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

فضيحة وزيرة أم فضيحة منظومة؟حين تتجاوز المساءلة حدود الأشخاص

يومان فقط بين التعيين والإعفاء يومان لم تكن فيهما الوزيرة قد بدأت بعد ممارسة مهامها حتى وجدت نفسها في قلب عاصفة من الجدل أعادت إلى الواجهة أسئلة أكبر من اسم الوزيرة وأبعد من شخصها أسئلة تتعلق بمعايير اختيار المسؤولين وبالمسؤولية السياسية وبمدى قدرة منظومتنا السياسية على حماية ثقة المواطنين في المؤسسات لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس فقط كيف انتهت تجربة وزارية قبل أن تبدأ بل كيف بدأت أصلا ومن منح الثقة وعلى أي أساس تم الاختيار وهل أصبحنا ننتظر دائما أن تنفجر الفضائح حتى نتحرك أم أن التحقق والتدقيق والمساءلة القبلية لم تعد تحظى بما يكفي من الاهتمام
إن إعفاء مسؤول قد يكون قرارا ضروريا تفرضه ظروف معينة لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش بل ربما يكون بدايته لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن غادر المنصب وإنما أيضا بمن اختاره ومن قدمه ومن دافع عن أهليته لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام
لسنا هنا أمام منصب عادي بل أمام مسؤولية حكومية يفترض أن تقوم على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق لأن الوزارة ليست امتيازا شخصيا ولا مكافأة سياسية ولا محطة عابرة في مسار أحد إنها أمانة ترتبط بمصالح المواطنين وبثقتهم في مؤسسات الدولة
وحين يتعلق الأمر بحقيبة التكوين المهني والتأهيل فإن المفارقة تصبح أكثر إيلاما لأننا نتحدث عن قطاع نعلق عليه آمالا كبيرة في تأهيل الشباب وصقل مهاراتهم وفتح أبواب المستقبل أمامهم فكيف نقنع شبابنا بأن الاستحقاق هو طريق النجاح وأن الكفاءة هي معيار التقدم بينما يجد الرأي العام نفسه أمام واقعة تطرح أسئلة حول المعايير التي تحكم الوصول إلى المسؤولية
إننا لا نحتاج إلى محاكمة الأشخاص عبر مواقع التواصل ولا إلى تحويل الأخبار المتداولة إلى أحكام نهائية فالاتهام ليس إدانة والضجة ليست دليلا وقرينة البراءة حق لا يجوز أن يسقط تحت ضغط الرأي العام لكن احترام هذه المبادئ لا يعني أن نصمت عن الأسئلة المشروعة ولا أن نمنح الاختيارات السياسية حصانة من المساءلة
وهنا يكمن جوهر القضية هل نحن أمام فضيحة وزيرة أم أمام فضيحة منظومة أم أمام خلل في آليات الاختيار والتدقيق لا يمكن الجزم به دون معطيات واضحة لكن لا يمكن أيضا تجاهل الأسئلة التي فرضتها الواقعة على النقاش العام
إن الأحزاب السياسية التي تقترح أسماء لتولي المسؤوليات الحكومية لا يمكنها أن تتعامل مع التعيين باعتباره نهاية مسؤوليتها بل هو بداية مسؤولية أكبر لأن تقديم المرشحين ليس مجرد إجراء تنظيمي وإنما قرار سياسي تترتب عليه نتائج تمس صورة المؤسسات وثقة المواطنين فيها ومن حق المواطن أن يعرف ما المعايير المعتمدة في اختيار المسؤولين وما الضمانات التي تجعل الاستحقاق والكفاءة والنزاهة في صلب هذه الاختيارات ومن حقه أيضا أن يتساءل عن طبيعة الإجراءات التي تسبق التعيين دون أن يعني ذلك المساس بالحياة الخاصة للأفراد أو إدانة أي شخص بناء على ادعاءات لم تثبت
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المحاسبة إلى مجرد رد فعل على ضجة إعلامية وأن يصبح حجم الغضب هو الذي يحدد من يحاسب ومن يترك دون مساءلة فالمؤسسات لا ينبغي أن تتحرك فقط حين يصبح الصمت مكلفا بل عليها أن تمتلك من آليات التدقيق والشفافية ما يجعل الوقاية من الأزمات جزءا من مسؤوليتها ولعل السؤال الأكثر إلحاحا هو هل يكفي إعفاء المسؤول لطي الملف أم أن المسؤولية السياسية تقتضي أيضا توضيح ملابسات الاختيار واستخلاص الدروس حتى لا تتكرر الواقعة إن كانت قد كشفت بالفعل عن خلل في المسار
إن الثقة العامة لا تُبنى ببلاغ تعيين ولا تستعاد بمجرد بلاغ إعفاء بل تُبنى حين يشعر المواطن أن المسؤولية ليست امتيازا وأن المناصب لا تُمنح خارج منطق الاستحقاق وأن المحاسبة ليست انتقائية ولا مرتبطة فقط بما تفرضه اللحظة الإعلامية لا أعتقد أن المطلوب هو البحث عن كبش فداء ولا أن نختزل قضية معقدة في شخص واحد المطلوب هو أن نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة التي تتجاوز الأشخاص إلى طريقة تدبير الشأن العام وأن نميز بين الحقائق المثبتة والادعاءات المتداولة وأن نطالب بمؤسسات توضح قراراتها وتتحمل مسؤولياتها
فإذا كان يومان كافيين لإنهاء تجربة وزارية فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا هو كم من الوقت نحتاج حتى تصبح معايير اختيار المسؤولين واضحة بما يكفي لتجنب مثل هذه الأزمات وكم من مرة ينبغي أن تهتز الثقة حتى نقتنع بأن الإصلاح يبدأ قبل التعيين ولا ينتظر انفجار الجدل
فضيحة وزيرة أم فضيحة منظومة سؤال لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على شخص ولا إلى اتهام مجاني لمؤسسات الدولة بل إلى مدخل لنقاش جاد حول الاستحقاق والمحاسبة والمسؤولية السياسية لأن القضية في النهاية ليست من دخل الحكومة ومن غادرها وإنما كيف نختار من يتولى شؤون المواطنين وعلى أي أساس نمنحه ثقتنا
فالمناصب قد تُمنح بقرار وقد تُسحب بقرار أما الثقة العامة فلا تُمنح إلا بالاستحقاق ولا تُصان إلا بالشفافية ولا تستقيم إلا بمحاسبة عادلة تبدأ من احترام القانون ولا تنتهي عند حدود الأشخاص

شاهد أيضا

شاهد أيضا